الإستفتاء 18 عصا موسى (جزء ز)
من أدلة صدق المسيح الموعود " التجديد التكاملي"
الأنبياء نوعان من ناحية الشريعة، فالنوع الأول هو النبي الذي يأتي بشريعة جديدة، والنوع الثاني هو النبي الذي لا يأتي بشريعة جديدة، بل يتبع شريعة نبي سابق، ولكنه يأتي ليصحح الأخطاء التي وقع فيها أتباع النبي.
ولا يبعث الله نبيًّا بشريعة جديدة إلا إذا لم تعُد الشريعة السابقة صالحة؛ وذلك لتحريف نصوصها أو لعدم صلاحيتها، أو لكلا السببيْن.
وأما حين تكون الشريعة السابقة محفوظة نصًّا، وصالحة التطبيق، ولكن أهلها حرَّفوا جوهرها ومعانيها، أو صاروا يفسرون المفاهيم الدينية بحيث يحمّلونها معاني خاطئة، فتفسد أرواحهم وتضل مساعيهم، فيرسل الله نبيًّا يصحح ذلك كله إن وصل التحريف والفساد حدًّا لا يصحِّحه مجدِّد ومجتهد، يهديه الله ثم يحسبونه مجرد عالم في زحام العلماء ثم يهدمون خطته.
تصل الأمور لدرجة لاتصلحها مكانة العلم فيعزز الله الحق بهيبة النبوة وشوكة الحماية معها ليقطع الطرق على الباطل ويدمغه، وهنا يكون الوحي والنبوة ذا موضوع.
يمكن أن يدّعي شخص النبوة، ثم لا يأتي بما يستحق أن يُبعث من أجله، ولاتجد للوحي والنبوة موضوعا لديه، فلا شك إذن في أنه كاذب أو موهوم. تصوَّر أن يدّعي شخص الآن أن الله أرسله ليأتي بدين جديد! فما الذي سيضيفه إلى الإسلام والمسلمين ؟ إنْ دعا إلى الرحمة والسلام فسنقول له: هل عندك أقوى من هذا النص: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}، وإن دعا إلى أي فضيلة، فسنقول له: هل عندك أقوى من النص المتعلق بها. وإن دعا إلى أي حكم أتيناه بمثله في القرآن أو بما هو أفضل منه. وسنبين له أنه ما مِن خير إلا والقرآن متقدِّم فيه، وما مِن شرّ إلا والقرآن متقدِّم في النهي عنه.
ويمكن أن يدّعي شخص الآن أنه نبي تابع، وحينها سنقول له: أين ما يستحق التصحيح في رسالتك؟ فكل ما يستحق التوضيح والتصحيح قام به المسيح الموعود عليه السلام.. فكانت دعوته متكاملة وكان تفسيره وتصحيحه وتوضيحه متكاملا.
كان الفكر الإسلامي قد احتوى تلوثا، واختلط المتلوث بالصحيح ملتبسا بعنفوان، ووصل التلوث إلى مرحلة بحيث يمكن تقسيمه إلى قسمين: القسم الخرافي والقسم الدموي. والفكر الخرافي والد ينجب الدموي.
فقد كان الجميع يؤمن بعلامات خرافية للقيامة، وبصعود خرافي للمسيح إلى السماء، وبنزول أشد إيغالا في الخرافة، وبتفسيرات أسطورية لقصص النبيين لا يُستفاد منها عبرة ولا موعظة، والحكمة منها جميعا هي التمهيد لسفك الدم بغير الحق وتغذية غريزة الانتقام وفساد الروح وتمهيد التربة للفوضى.
أما عن فكر القسوة الدموية ، فهم يؤمنون بوجوب قتال الناس كافة، وبقتل المخالِف، وبالتمييز بين الناس على أساس ديني، وبإجبار غير المسلمين ومجتمعاتهم على تطبيق الشريعة الإسلامية حسب فهمهم لها، مع ذم للعقل وتشريع لجمود الفكر كي يستمر الدم يجري، ونقمة حاقدة غير إسلامية، على أذى وإذلال الشعوب الأوربية، ونية سوداء لو جاءهم مسيح يطبق ما يقولون عليه، تخالف هدي محمد صلى الله عليه وسلم لما فتح الله عليه.
كما كانوا يؤمنون بناء على نفس السياق بانقطاع الوحي الإلهي، خوفا من نفس الأثر الذي يحدثه الاجتهاد، ويهتمون بالقشور على حساب اللُّب، ويبيحون الكذب تحت مسمى التورية، ويبيحون الخداع تحت مسمى الحيل الشرعية.
كما كان الإسلام يتعرّض لحرب رهيبة من الدجال الذي درس واستغلّ فكر القسوة وفكر الخرافة ليطعن في الدين ويعمل على هدمه من جذوره، ووظف في هذا السبيل كل انحرافات التفسير من أول الناسخ والمنسوخ إلى رضاع الكبير، وكل الأحاديث المضروبة، والفتاوى المعطوبة، وحكايات التاريخ وأساطيره المزركشة بالزخارف، وسمى كل ذلك دراسات ودكتوراه ودوائر معارف.
الآن في القرن التاسع عشر جاء الدجال الذي كان قد أساء القيادة في الغرب وأحرق العلماء ونصب محاكم التفتيش ، وبسببه كره الناس الدين كله، وتسبب في نبات فكر الإلحاد الذي وجد أرضا خصبة في روسيا، وغدا في مطلع القرن العشرين في 1917 سينفجر في ثورة تذبح القياصرة.. فجاء ليعيد الكرة في بلاد الشرق، وكي نكره الدين وينتهي أمرنا للإلحاد في النهاية.. جاء هنا يختال بعد أن قلمت أظافره وألزموه الكنيسة مسجونا بها يلزمها لايغادرها، وفي ذهنه أن أحدا منا في الشرق لايعلم هذا السر ولايفهم.
والله كان عليما بالسر في السماوات والأرض، وفي ظل ذلك كله بعث الله المسيح الموعود عليه السلام، ليظهر إفلاس الدجال وإلحاده من ناحية دعاواه الدينية، وليظهر بالتالي كذبه على الإسلام في اتباع ماتشابه مع الإسرائيليات ، وماتناقض وما تهافت وماتفلت من الحق في ثقافة الإسلام ، ويوضح حقيقة تعاليمه وجماله الفتان وحسنه الريان ، فما هي التعاليم التي جاء بها؟
أولا: بيّن حضرته مرارا وتكرارا موت عيسى ودفنه في الأرض، وأبطل طاقم الأساطير المكملة لبناء سفك الدم، وبالتالي موت ماينبني على اختطافه حيا وحياته في السماء ومن نزول أسطوري لأداء مهمة الإكراه في الدين، وجهاد لايرضي رب العالمين، ووضح الإمام عليه السلام فلسفة الجهاد في الإسلام. وكان هذا التوضيح ضروريا جدا أيضا في عصر أخذ الناس يحسّون فيه بأهمية الحرية الدينية التي أجمع عليها العالم، فلو ظلّ الفكر الإسلامي على ما كان عليه لشكّل ضربة قاصمة للدين كله ولَزَعْزَعَهُ من جذوره، ولاستغلّه العالم للاتحاد ضد المسلمين والسخرية من دينهم. وقد بيّن حضرته ذلك في وقت لم يكن يخطر ببال عالم أن يقول بمثل ذلك، بل كان قد استقرّ في أذهانهم أن الجهاد فُرض لقتال الناس وإخضاعهم للإسلام بغض النظر أسالَمونا أم حارَبونا. ولايدرون بعواقب ذلك على ديننا ، وفي هذا السياق بيّن أن مهمة المهدي المسيح مهمة فكرية لا دموية، وبيّن أن الدجال يواجَه بالحجج لا بالقتال. وبيّن أن القرآن لا نسخ فيه، وأن الجهاد لم يمرّ في مراحل نَسَخت الأخيرةُ منها ما سبقها. وأن آية التوبة لم تنسخ آية العفو وأن آية التوبة لاتزيد عن آية البقرة.
ثانيا: عزز الإمام مفاهيم دين الحق والحرية الدينية المقررة عند الله بالتفسير المتكامل لنصوص صحيحة تخص علامات الساعة، وخصوصا نبوءة انبعاث الدجال ويأجوج ومأجوج ودابة الأرض، وقد كان تفسيرا منسجما











