Yahoo!

رسالة أخيرة لمن سب واعتدى من المنتدى

يونيو 30th, 2010 كتبها فتحي عبدالسلام نشر في , حوار منتدى التوحيد

رسالة أخيرة  لمن سب واعتدى من المنتدى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الشرط

كان الشرط بيني وبين من جاءني بالمنتدى للحوار ألا يأتيني بمن يكفر أو يسب، والآن جنحوا للتكفير والتطبع على السباب قد غلب. وصدر الشتم لولي الله ذي العرش بالخداع والكذب، وتركوا الإحالة للخطأ والصواب، وتركوا اللياقة والآداب، ومعناه الواضح البين، لكل ذي عينين، أننا أفلسنا في الحوار فبقي أن نضرب الكرسي في (الكلوب)، لنغضبك لعلك أيضا تسب،  وننقض الاتفاق، لنعطيك ذريعة الإغلاق، فرسائلك تجعلنا ننصب، وتنهكنا ونحن نكتب،  فكلما تقدم الحوار أعطاك الله إيجابا، وزادنا سلبا وحرنا كيف نرجع جوابا، وصارت رسائلك اليقين والتجديد، وضرب النحاس بالحديد، وصرنا لانعدو معك سوى السعي في التشكيكات وطرح الاحتمالات. لذلك أنهي الحوار معهم بالضربة القاضية، التي لن تقوم بعدها بإذن الله  لمن سب قائمة لأنه سيثوي في هاوية،  أو يتوب مولودا ولادة ثانية.

الظاهر ونقاء العقيدة

بسبب نضوب معين تعليم البلاغة في بلاد المسلمين، وضمور تنمية حس الجمال في فهومهم، فقد تم تقزيم الوعي الإسلامي عن إدراك جماليات حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم،  وكسلا عقليا روحيا وتحت شعار التفسير الظاهر ترك كثير من العلماء جماهير المسلمين تعتقد في حرفية نصوص الدجال، وحديثا يغذون فيهم نفس الفهم بعد أن جاء الهدى وارتاح البال، غافلين عن التناقض فيما ينشرون من كتب تملأ الأرصفة، وتدع الناس حيارى من هذه التصورات وتلك الفلسفة، والحق أنه لجلالة قدر الأمر فقد عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن واقعة الدجال بكلمات مخوفة مهيبة، وشدد فيها بألفاظ مرعبة، وهي استعارات لطيفة البلاغة، يتكفل الله ببيانها عند وقت الحاجة فيكشف سر الصياغة، ولايريد الله من كلماته أنه تعالى سيغير سننه، فيعطي المعجزة للكذاب اللعين،  ولايعني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدجال اتصف بصفات الله، أو أنه يملك جنة الله وناره تعالى معكوستان حاشا لله، أو أنه يحيي الموتى، ويتصرف في السماوات بالمطر والنبات، بل هي همم متكاملة من دعاة الإلحاد والتنصير مستعينة بالحيل العلمية الفيزيائية الكيماوية الطبية. ويدلك على ذلك رؤيا تميم الداري التي رأى رسول الله مثلها، فهي تنبئ عن خطر قادم متربص، رمزه الدير،  لو ضعف سد الإسلام فسيؤذن له بالخروج الكبير، وهو إذن خروج ليس من طاعة وحي الله القدير،  ولامن سماحه ورضوانه،  بل هو من باب إرخاء الله اللجام لخطر متنام، يلجمه الله كرامة لعباده بعد الشكران، أو يرسله ويخليه ومايريد عقوبة للعصيان. فلما جاء الدجال وبدأ بتنصير ينمو في ظل الاحتلال، في بلاد الهند حيث الفقر والجهل وغلبة الدين وقهر الرجال، أرسل الله من يفضحه ويعريه، ويرد عليه ويخزيه، وينشر على العالمين ردودا؟ ترد على من يصد عن الإسلام صدودا،  ويقول له إن عيسى بشر جرى عليه ماجرى على البشر، ومات وقبر، وهاهو عنوان قبره لما تدبر واعتبر.

لقد سجل الإسلام بهذه الضربة نصره المؤزر،  كانت ضربة قاصمة للظهر لم يقم منها الدجال ولن يقوم، ومن يومها وموجات التنصير تلملم أشلاء الصليب المحطوم،  ليعاد نثرها إلى اليوم.   

 

 

التفسير بالظاهر والقتل الحرام

 

بسبب ميول سياسية وتحت اسم الظاهر والفهم بالظاهر والتفسير بالظاهر مع اعتبار الإسناد وحده كافيا للصحة والقبول، وبترجيحات التوثيق الظنية، وإهمال تاريخي لنقد المتن تعرضت مفاهيم الإسلام لكوارث،  وكان الله من رحمته يرسل من يجدد جوانب منها وكانوا يتعرضون للتكفير أو القتل.

في الإسلام لاإكراه في الدين من قريب أو بعيد، والله هو الذي يملك وحده وحده أن يعرض الناس لعذاب وبلاء يدفعهم للتعرف عليه والاعتذار إليه.

وباسم تفاسير معينة تم إلغاء مبدأ الحرية الدينية من الإسلام، تمهيدا لقتل المشركين حتى ولو سالمونا، لاختلاف دينهم عن المسلمين،  وحرفت أحاديث عن القتال،  وتم تحليل سفك  الدم الحرام. 

لقد نسبوا للرسول صلى الله عليه وسلم ثم للصحابة الكرام، رضوان الله عليهم،  تصورهم هم عن حل سفك الدم،  وتم التغاضي عن الوضع الدفاعي الخالص لجهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتم ابتداع استحلال لدماء الإنسان البريء  بناء على تحريف تفسير نصوص قرآنية، أو وضع نصوص حديثية، بحيث نقتل باسم الله من يخالفنا في العقيدة، وصارت توضع الصياغات لعقائد الإسلام بعد مرور القرون، كوسيلة تستخدم لسفك الدم بغير الحق، لتكفير الناس ثم قتلهم، تحت ستار : (( أن عصمة الدم والمال ليست حقا مستحقا إلا للمسلم، وأن المشرك الكافر يحل دمه وماله لكفره أو شركه لاغير، وأنه حتى كلمة  لاإله إلا الله ليست شيئا يعصم، واستخرجت صور للتدليل توهم بجواز قتل المشرك لشركه، فمشركوا العرب كانوا يقولونها بل ومشركوا قوم نوح وغيرهم،  ولكنها وحدها لم تغنهم، فطروء الشرك على كلمة التوحيد يلغي حق حاملها في حرمة الدم، وأن تداخلها مع الشرك قد أزال العصمة عنهم، ولم يكن هناك سبب لحل دمهم إلا الشرك، وهذا مافعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان قولهم بأن الله هو رب السماوات السبع ورب العش العظيم بنافع لهم ليعصم دمهم، ونفس المبدأ المطبق على المشرك لشركه طبقه أبو بكر على المرتدين، الذين وإن صلوا وصاموا فقد طرأ عليهم شرك بمنع الزكاة، أحل دمهم)). راجع بعناية كتاب : مختصر سيرة الرسول وكتاب : كشف الشبهات،  لنفس المؤلف.

 وتم إهمال الجرم الأساسي الوحيد الذي به حل قتال المشركين والمرتدين، فالأولون حاولوا الهجوم وإبادة دولة الإسلام الوليدة، والمرتدون قتلوا المسلمين قتلا، وحاولوا تدمير الدولة الوليدة، ومن ثم تقديمها لقمة سائغة للفرس أو الروم ومن خلال أحلاف وخيانات.

وأضيفت بدعة اسمها المعلوم من الدين بالضرورة، تبيحة التكفير والقتل.  وغدت كلمة الشهادة واستقبال االقبلة وأكل ذبيحة المسلمين لا تعطي عصمة لأحد ممن يملك أن يقتل من هؤلاء.

وموضوع حياة عيسى في السماء يعتبر جزءا من منظومة خطيرة ظاهرها حياة عيسى وباطنها تحليل القتل الحرام، باعتباره يضع الجزية، بينما نسخة الرواية المعتمدة الصحيحة: يضع الحرب، ومقصود النبي صلى الله عليه وسلم هو وضع الحرب التي تسمى زورا باسم الجهاد وليست منه، ووضع الجزية فسرها عدد من العلماء بأنه يخير الكافرين بين القتل أو الإسلام، وشاع هذا التفسير وروجه السكوت، وشجع الشباب على قبوله إشباعه للحقد المكبوت،  وكان هذا بذرة للقول أن الإسلام سينتشر بالسيف مستقبلا، وإذن يقول عدو الإسلام :( فقد انتشر السيف فيما مضى، ومادام السيف في المستقبل شرعيا، فقد كان في الماضي شرعيا، وهكذا فعل رسولهم، وهكذا هو قرآنهم. )

 ومهما اخترع الالتواء من تفاسير حديثة، وتبرير لوضع الجزية زعموا أنه ناتج طبيعي من إقبال أهل الكتاب على الإسلام، فهو ذر الرماد في العيون وخداع وخيال جامح وأمان غير مضمون، فالتفسير الأول شاع في الشوارع، وهذا البيان الخديج الجديد يقال في الأزقة.   

ويدعون الانتساب لعقيدة الصحابة،  فإذا جاء وقت كلام الصحابة ينفي هذا الظلم انهالوا على كلامهم تضعيفا لهوى في نفوسهم. وما كان الصحابة هكذا يكادون يقتلون أنفسهم ويدمرون أمتهم تدميرا،  من أجل البحث عن أدلة تثبت الاحتفاظ بسيدنا عيسى حيا بجسده في السماء حتى يتحقق له فعل النزول.

مساكين يقرأون القرآن بجمود وهمود مميت للروح، وأولئك هم من لانزول عنهم إلا من السماء الفلكية، وبالتالي لارفع إلا إليها هي نفسها.

إن كل آية في القرآن بحر مواج،  وكان الصحابة غواصين مهرة،  وهو كتاب عامر مليء بدقائق هدايات، وكان الصحابة يحيون منه في جنات، وعقائدهم منه بحار من روائع التصورات، لامجرد كلمات، ومنها أن النزول عندهم هو مافي القرآن، والنزول القرآني فيه خلق وإيجاد ولايشترط النزول المادي من السماوات.

فالله أنزل اللباس ومعناه علم الإنسان صنعه وخاماته ومعالجتها، والله أنزل الأنعام، وليس معناه أنه أسقطها من السماء إلى أن هبطت على الأرض بجسمها، بل هو خلقها للناس من أديمها، والله ينزل خير الأرض من نبات وغيره، من خلال قوانين البخر والسحاب ثم البذر وحلول المواسم والنمو، وجعل الله تعليم استخلاص الحديد تنزيلا، ولا يصعب عليهم أن يدركوا نزول عيسى من نفس النوع.

بدليل أنه لم يخطر على بال سيدنا عمر رضي الله عنه أن هناك عيسى صلى الله عليه وسلم نازلا من سماء فوق رءوسنا عندما أذهله خبر موت النبي. وانظر لعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما بلغه موت نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، واعقل أنه رضي الله عنه لم يغب عنه المرض النبوي وعلاقته بالموت، ولم ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم في ذهوله عودة ونزولا كنزول عيسى عليه اسلام (بالتصور المزعوم)، ولم تخطر بباله السماء من قريب أو بعيد، بل نسب إليه مافي خلفيته الذهنية وهو مثل موسى، رحلة أرضية لو جازت، وعودة على سطح الأرض لو أتيحت، حتى قام صديق الإسلام أبو بكر رضي الله عنه وذكرهم أنه مثل كل الرسل، مات ولقي الله صلى الله عليه وسلم. وكلاهما من القصة كان يعني مايقول، ولم يكن لهم أي فكرة عن عيسى سوى موته، إذ لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم شيئا من ذلك، وكانوا يفهمون موته كما جادل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران بأن عيسى قد أتى عليه الفناء والله يستحيل في حقه الفناء.   

 الآن ينسب الزور للصحابة من وراء حجاب، وتصاغ عقائدهم في صورة مغرضة لتنسج من أقوالهم منظومة تؤدي من بعيد لبعيد أن عيسى حي في السماء وينزل بشخصه من السماء، حتى أنهم يتمسكون بالمعراج والإسراء الجسدي خدمة لصعود البشر بالجسد للسماء خدمة لصعود جسد عيسى خدمة لنزوله الحرفي، خدمة لقيامه حرفيا بقتل كل من هو غير مسلم.

الدليل الأعظم على عدم نزول كهذا أن هذا الجيل سيموت وبعده الجيل التالي، وتتوالى الأجيال موتا ولايحدث النزول المرتقب، وتتقدم الأحمدية بينما تتقطع قلوب من يرجو وهما كهذا تباعا،  ويغضبون على الله إذ لم يفعله، وهكذا سيظل سيدنا عيسى على هذا الحال لاينزل حتى تقوم الساعة وهو غير نازل هذا النزول.

تصورات فلكية تخدم

 يتم مسخ معاني الإسلام  لخدمة منظومة لاتمت لله بصلة وهي منظومة حياة عيسى في السماء، تلك التي تحولت اليوم لأفعى تبتغي التهام ديننا.

والأمثلة عديدة على تلفيق الأمور.

فالسماء الفلكية عندهم الآن هي الطريق الوحيد لحياة عيسى وتفسر معنى الرفع إليه. ولذلك يغذون عقيدة توحي من طرف جلي أو خفي ( ليتنصلوا عند اللزوم) أن الله يسكن الفضاء في مكان عال عال ناحية النجوم. مع أن كل ساكن في الكون عندما يشير بأصابعه لفوق فهو يشير للساكن الآخر في نفس فضاء النجوم. لو فرضنا شيوع السكن في المجرة، فكل منا نحن سكان مجرتنا يشير لبقية زملائه السكان عند رفع الأصابع.

كل مخلوقات الله الساكنة تشير كل منها إلى بعضها في الكون المحيط بنا لو رفعت أصابعها لفوق وهي على سطح أجرامها.

فهم يخافون أن تتحرر العقول من ضيق النظرة الفلكية التي كانت تسود القرون الوسطى، ولازالوا يغذون شبابا تجدهم على الانترنت المسكينة،  يقيسون العرش والكرسي، ويذكرون أبعادا مهينة،  بقياسات هزيلة مؤسفة بناء على روايات موضوعة مجحفة.

لننظر لهذا المقطع الذي يؤكد قولي من الرسالة الأولى في الردود عليّ:

((. ولما كان الكلام في ذات الله وصفاته وأفعاله مداره على الوحي المعصوم ، كان أسعد الناس وأصوبهم هو من تلقى ذلك مباشرة من مشكاة الوحي الأمين ومما فهمه الصحابة الذين عاينوا الوحي وتابعيهم الذين تتلمذوا على أيديهم ولم تتلوث فهومهم بآراء المتهوكين وتشكيكات المتكلمين وتكلفات المتنطعين .

فإن كان الأمر كذلك – وهو بالفعل كذلك – فإني بعون الله وحوله وقوته أورد أقوال الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين في فوقية الله تبارك وتعالى ثم فلننظر هل يجوز التأويل بوجه على هذه الروايات والآثار والنصوص أم لا ، والله المستعان .
وما هذا إلا تعقيبًا على كلام سيادتكم الذي أوردتموه في خطابكم ونصه :
( لقد تعجبت أنك في بداية ردك اعترفت أن السماء هي السمو مثل العلاء الذي هو العلو .. ثم أوردت نصوصا من القرآن نعترف بها جميعا كمسلمين، لكننا نختلف معا في فهمها، واعتبرت إيرادك لقوله تعالى: يخافون ربهم من فوقهم،  كافيا في إثبات أنه تعالى في مستوى فلكي فوق السماء الفلكية،  والملائكة تحت هذا المستوى من الفضاء.. وواضح أنك تضيف من خيالك وتصورك فكرة أن الوجود طبقات،  ومركز الطبقات الأرض، وفي أعلى الطبقات هناك الله. والله تعالى وتقدس عن أن يدركه التصور. ثم أكدت صلب المشكلة وهي أنك تعتبر أن الله فوق السماء الفلكية،  ويرفع الرسل إليه بمعنى أنه تعالى يرفعهم إليه،  بمعنى أنه يشدهم في خط مستقيم نحو السماء الفلكية..) أهـ .من كلامي.
( فهذا الكلام مع ما فيه من الاستنكار هو ما نطق به الوحي وأهل العلم بالوحي وهم الصحابة الكرام،  العالمين ثم تابعيهم النوابغ الفاهمين ثم من يلونهم ومن يلونهم،  بما فيهم الأئمة الأربعة وشيوخهم وتلاميذهم ، والكلام في ذات الله وصفاته ، بل والغيبيات عمومًا ، لا نتركه لما يستسيغه العقل وما لا يستسيغه ؛ لأن العقل لا يحيط علمًا بالله ، وغيبياته عمومًا ، لهذا لا يصح تحكيمه ونصبه حاكمًا يقبل ويرفض ويرفع ويضع ؛ لأن العقل لا يقدر يحكم على ما لا علم له به .. أرأيت إن أخبرتَ رجلاً لم ير النار في حياته من قبل أن هذه النار تكون في حجم قبضة اليد ثم تكبر وتعظم حتى تأكل مدينة كاملة ببيوتها وقصورها ومنشأتها ومكاتبها ومحلاتها وشوارعها فلا يبقى من هذه المدينة شيء ولا من هذه النار شيء ، أهذا الرجل يصدقك ؟ أم تراه يسخر ويستنكر ويعد كلامك من هذيان المجانين ؟!
فالعقل لا يحكم في الغيبيات إطلاقًَا ، لهذا أرسل الله الرسل وأنزل معهم الكتب والهدى ، ولو كان الأمر راجعًا إلى العقل وإعماله في الغيبيات لما أرسل الله الرسل واكتفى بعقول البشر .

فإن كان الأمر كذلك فانظر معي قول ابن عباس رضي الله عنهما لعائشة رضي الله عنها وهي تموت : (( كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن يحب إلا طيبًا ، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات )) أخرجه الدارمي بسند حسن .
وكذلك قوله في تفسير قوله تعالى { ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ } : لم يستطع أن يقول من فوقهم ، علم أن الله من فوقهم .
فهذا كلام يفيد أن الله جل وعلا فوق هذا العالم المخلوق ، وأنه من فوقه . ولا يصح في هذا المقام أن تقول إن الفوقية هنا هي فوقية رتبة أو مكانة لأن السياق لا يفيد ذلك ، والكلام ظاهره واضح وبيّن ولا داعي لتأويله لأنه لا توجد قرينة تخدم التأويل ، بل القرائن في الكلام تقطع بكون معنى الفوقية الظاهر هو المقصود كاستخدام الفعل (أنزل) مع كلمة (فوق) في الرواية الأولى ، والإشارة المكانية الواضحة في قوله تعالى ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ } فهذه كلها مقصودٌ بها المكان الحقيقي لا المنزلة أو المرتبة أو المكانة ، لهذا كان قوله (من فوقهم) يفيد نفس المعنى .
فضلاً عن هذا فإن استعمال حرف الجر (من) مع الظرف (فوق) ينفي أي معنى باطني للفوقية كالمكانة أو المنزلة أو المرتبة لأن هذا الحرف لا يكون إلا في سياق الفوقية الحقيقية غير المجازية . فهذه كلها قرائن تقطع بعدم جواز التأويل بحق هذه النصوص ، وهذا هو قول عبد الله بن عباس حبر الأمة الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل .)) اهــ.
انتقاء معان ورفض أخرى عن الكرسي والعرش والساق   

يمكن لهم الاعتراف بعرش عزة الله  مع قولهم بالعرش المخلوق الذي هو سقف الجنة، ولكنهم في نفس السياق يخافون أن يقروا بالحق وأن كرسي الله هو علمه، حتى لايجرهم ذلك للتخلي عن صفة القدمين، ومن خجلهم اليوم يتخلصون من روايات الأطيط، وربما من أحاديث الأوعال، وينسبونها للضعف والتخليط، مع أنها ظلت مكتوبة في كتبهم وتربي عليها الأجيال، مثل كتاب فتح المجيد، وربما لازال،  ولازال تلاميذهم على الانترنت يتكلمون عن الأوعال من الحمال،  ويخافون أن يقروا أن عرش الله هو أيضا عز وحدانيته وكماله، كي يظل الله في نظر الناس يسكن الطبقة العليا من فراغ الوجود، وليكون المعراج إليه هو قطع مسافات، وليكون رفعه عليه السلام إليه هو سكناه قريبا من مسكن الله، ولتسلم منظومة

لو كان للكرسي معنيان،  معنى محسوس للمقاعد، ومعنى سام هو العلم، فلماذا ضنوا على الله بمعنى العلم؟؟ ، ولو روي عن صحابي أنه المعنى الأسمى للكرسي (العلم) ، فينجذبون للمعنى الأدنى ويجعلونه لله، ويهملون قول الصحابي رضي عنه الله، ويشغلون عليه من آلات التضعيف مايناسب المقام.

وإذا قالت اللغة وقال بعض الصحابة أن كشف الساق في الآية هو الشدة، وهو أليق بكلام الله، والشدة يوم القيامة والهول هو من الله، فلامانع أن تكون ساقه هي الهول الخاص المختزن عنده،  فلايعجبهم إلا نسبة ساق إلى الله، ولايخجلون أنها حتى واحدة، وقالوا: ولكن لكشف الساق معان أخرى، مثل كشف الملكة عن ساقيها، واختاروا لله هذا المعنى وموهوا عليك بقولهم: من غير كيف ولاتشبيه. فيؤثرون هذا المعنى لله لأنه ورد، ( تأمل : لأنه ورد ) مع أنه عن مخلوق قد ورد. 

 إذا كان للعرش معنيان، معنى محسوس هو السرير،  ومعنى سام هو العز ، ضنوا بعرش العز على الله،  وقالوا ليس لله عرش العز بل لله السرير المحسوس وحده، وينكرون سعة اللسان العربي.ويقولون من أين جئت أن لله عرش عز؟؟؟

  يدعون عقيدة الصحابة، ولايدرون ما الصحابة، الصحابة كانوا هم القرآن، ولولا ذلك مانصرهم الله على العالمين من أهل العدوان، والصحابة كانوا رجال أعمال لاأقوال.. إن الصحابة لم يؤلفوا الكتب ولو ألفوا لكتبوا في تأييد ما أقول العجب.

عندما جاء ولي الصحابة

وقد يسأل القارئ عن سر ماغضبوا، وسبوا رغم أنني لم أشاغلهم بالكلام عنه؟؟   لقد غضبوا على الله أن رضي عن الهندي وقبل قربانه وتولاه، وهداه وصافاه ووافاه، وانتشرت أنواره وسجدت لله مآذن جماعته وشدت بالتكبير، بينما نامت الفرق الأخرى وصحت في الزمن الأخير، فانطلقوا لايلوون على شيء، يعلمون تعليم سفك الدم الحرام،  ومصير أمة الإسلام يدعوهم في أخراهم؟ وهو يرون طالبان تطل بقرنيها، وتنتحر كل يوم في أسواقهم، وتقتل المصلين في مساجدهم،  برهانا على خطل في تعليمهم وزيف في هداهم، ويدمر الله كل يوم مدنهم وقراهم، فلا يستنتجون مايجب من أن هذا غضب عليهم.

الحالمون مخربوا بلادهم

إن طالبان ماهم إلا مجموعة من الحالمين برضا الله عن تفسير سفك الدم الحرام، وخراب أفغانستان نتيجة واضحة، وزحف الخراب رويدا إلى باكستان، هي ثمرة الفهم ( بالظاهر) والعزم على حكم العالم بهذا الظاهر، رغم أنف الحق والعقل والدين الظاهر.  ونتيجة الأخذ (الحرفي الظاهر) بقولهم: ننتظر عيسى لنشر دين الإسلام، ومن أنفه يشتد زفير نفسه، بالفهم الحرفي للكلام، ويقتل الكفرة حتى حد الأفق عند مد البصر إلى الأمام، وبوضع الجزية وبرعب الناس ينتشر الإسلام، فتوضع الجزية بأعجوبة.  ومن أحلامهم ينشرون في مواقعهم صورة كنائس روما ترفرف عليها أعلامهم، قائلين : الدور عليك ياروما، ولو تأملت في الأعلام لوجدت السيف ممسوحا من الصورة تحت شهادة التوحيد، جبنا منهم أن يتخذ الإ

المزيد


رد منتدى التوحيد الاخير

يونيو 30th, 2010 كتبها فتحي عبدالسلام نشر في , حوار منتدى التوحيد

الحمد لله الذي ضربَ على الباطل وحشة، حتى نفر منه أهلُه، وما أنِسوا به لحظة، الحمد لله الذي جعل للحق بهاءً وحسنًا، ونوّر لمتبعِه بصدقٍ دربه، حتى اشتاق إليه من فقده، الحمد لله الذي سنّ التدافع، وجعل في النفوس عن الشر وازع، ووضع فيها لحب الخير دافع، فلا يأتي مبطِلٌ معذورًا، يومَ يُقال "ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا" ..!

ونشهد ألا إله إلا الله وحده، أقام برهان تفرده بالإلهية، وأثبت لنفسه الكمال، ونقض دعوى الشركية، ووسم معتنقها بالضلال، ونفى عن المبطلين الحكمة، وأثبت للموحدين المنة، فهم يلتمسون الحقّ من وحيه، ويقفون بالعقل عند حده، وذاك من قول ربي "قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" ..!

ونشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، رضي بحكمه المسلمون، واطمأن إلى سنته المؤمنون، وخالف عن أمره المفتونون، عبدُ الله ورسوله، تورمت قدماه قيامًا لمولاه، وشُجَّ وجهه وهو يدعو إلى الله، وكان أسوةَ الصبرِ لمن أوذي في الله، عبدُ الله ورسوله، قال لأمته "ما بقي من شيءٍ يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّن لكم"، فأيكم يزعم أنه أشد منه تنزيهًا لله .. أيكم .. ؟!

ونعلم أنّ الأصحاب أمنةٌ للأُمّة، كما النجوم أمنةٌ للسماء، ذاك خبر خليل الرحمن عنهم، فالفائز من استنّ ما انتهجوا، ومات على مثل ما اعتقدوا، والخاسر من قابلهم بعقله، والحيّ لا تُؤمن عليه الفتنة، فاللهَ أسأل أن يقبضنا على ما قُبض عليه أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعليّ، إنه ولي ذلك والقادر عليه!

وبعدُ ..
فسلام الله عليك ورحمته وبركاته أيها المهندس الكريم..

إني – إذ أراك – تمشي على أرضٍ حجارتُها رضراض، وتختار طريقًا وعرًا يفضي إلى جرفٍ هار، وتحتار في غابة النصوص وطريق السلوك، فإنّ خيانةَ الأمانة أن أهادنك باتفاقٍ مزعوم، أو أخدعك بادعاءِ تقاربٍ مقبول، أو أوهمك بأنك من أهل الإنابة لا الاستتابة، فلا تعِب عليّ ذلك فإنه الميثاق، وقد عاهدتُ نفسي على عملٍ بميثاق ربي، فأذكّرَ بالصراط المستقيم، وسبيل المؤمنين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيّ عن بينة!

ولقد ظهر لي جليًّا في ردك السابق أنك لا تعرف المعتقد الذي تنفيه، وتبذل وقتك وتستهلك قلمك في الرد عليه، وأنك سمعتَ عنّا، ولم تسمع منّا، وأقمتَ في الذهن وجودًا لأقوامٍ لا أعرفهم، فضلًا عن أنتسب لمذهبهم، ولو رأيتُهم لنابذتهم بالعداوة، ولرميتهم بالشقاوة، أقوامٍ يعملون على خديعة العوام، ويخذلون الإسلام، ولا يهتمون بنقد المتن، ولا يلتزمون وحدةَ نهج، فحنانيك! وهداديك! حتى تعرف ما لم تُحط بعلمه، ثم تنظر فيه وفي حسن قوله، فتسير في درب العارفين، لا تكذيب الظالمين، وتتبع حكمَ المنصفين، لا افتراء الجاهلين!

وهذا لا يثير من العجب شيئًا، فإنّ من عرفَ نهجنا عرف أنه نهجُ الصحابة، ومن نظر في أقوالنا رأى أنها أقوالُ الصحابة، ومن تأمل ذلك عرف أنّ الانقياد لله لا يكون إلا هكذا، وأنّ تحكيم الشرع لا يكون إلا من ذاك السبيل، وأن قطْعَ دابر بدعة الضلالة لا يقوم إلا بهذا النهج، ولذا فأنا أعلم أن من له مثل عقلك، سيبادر بالإنابة إلى هذا إن عرفه، اللهم إلا أن تصيبك بما اكتسبت غشاوة، فتعرض عن الحق بعدما تبين!

هذه ثمرات منهجك وأصوله!

وقبلُ .. فإنّ المرء ينتحل مذهبًا باطلًا، يرسم له وصفًا، ويضرب له حدودًا، فيكون اللسان في نظمه ذليقًا، والقول فيه أنيقًا، يجعل آلته العقل الصحيح، ووسيلته التأويل الحسن، وسلفه الصحابة الكرام، وغايته التنزيه والتقديس، كلٌّ يدعي هذه الدعوى، ولذا كان الوقوف على الأثر من تمام التصور، وشرط صحة الحكم .. حينئذٍ تنقلب آلتهم ميل النفس، ووسيلتهم تحريف النص، وسلفهم متفلسفة ماتوا حيرى، وغايتهم اصطناع إلهٍ يوافق الهوى … شعروا بذلك أم لم يشعروا!

ولذلك أيها المهندس الكريم، تجدني أقف عند كلماتك وأقوالك، بوصفها بنات مذهبك وثمراته، عسى أن يلتفت ذهنك عن دعاوى عامةٍ أنيقة، إلى تطبيقاتٍ منحرفةٍ تُظهر الحقيقة، ولذا فلا أقف أمام دعوى لا خلاف فيها، كمثل قولك (يجب تنزيه الذات عما لا يليق)، بل أقف أمام كيفية تطبيقك لهذا الكلام، عسى أن تعود على نفسك بالسؤال والفكر، وتقلب وجوه النظر في الأمر، فربما منّتك نفسك بالأماني، أنك ستعتذر أمام الله بدعاوى التنزيه، وتُنسيك أنك مسؤول عن ثمرة فعلك، والأمر جد واضحٌ يدركه البحر والغمر، ولكنها أشياء رانت على القلوب، حتى صار الحق الذي تواتر به النقل وقبله العقل محلًا للنقاش والبحث!

فخبرني أيها المهندس الفاضل .. أيُّ فضلٍ تجده في مذهبٍ لا يقوم لك، إلا بالتشكيك في كل ثوابت الإسلام، وانتهاج نهج النصارى في الطعن في الكتاب والسنة، وعلمَ الله أني نظرتُ في قولك فهالني ما رأيتُ، وعدتُ على نفسي قائلًا لعلها قارعةٌ تجعلك تفيق، فيكون في ذلك الشر بارقة خيرٍ صرفه الله إليك، والمقصود قولك: (لقد قال الله تعالى وتقدس ما قال، ورغم ذلك يحدث الفهم الخطأ، والرسول صلى الله عليه وسلم قال ما قال ورغم ذلك أضيف لقوله أو فهم خطأ، وروي عنه الصحابة فروى الناس عنهم بالمعاني التي رويت بدورها بالمعاني. وليس ابن مسعود وغيره استثناء)اهـ … هكذا؟!

أهكذا ما استطعت تفصيًا من سؤالي إياك عن آثار الصحابة، إلا أن تقول هذه المقالة الشنيعة، فيكون كتاب الله – بعد أن قال الله ما قال – عرضةٌ للفهم الخطأ، وتكون سنة رسول الله – بعد أن بيّن ما بيّن – عرضةٌ للإضافة والفهم الخطأ، وتكون آثار الأصحاب – بعد أن جاهدوا ما جاهدوا – قد زيد فيها وانتقص، فليت شعري أين إيمانك بوعد ربنا بحفظ الذكر!؟ وهل ضاعت كلّ آثار الصحابة رأسًا، وانتقصت سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم جميعًا، حتى لم يبقَ لك أثرٌ واحدٌ أو حديثٌ واحدٌ يذكر مثل الذي تذكر صراحةً؟! أضاع الذكر وتُركتَ وحدك حائرًا في غابة النصوص حتى جُعلتَ قوّامًا بالحفظ عندما خرجتَ لنا بأن العرش مجموع الصفات وغير ذلك من قولٍ لم ينقل عن الصحابة أثارةٌ من مثله!!؟

أيها الكريم .. لست في حاجةٍ للتشبه بوكلاء النيابة لأستخرج السقطات، ولو كنتُ أبحث عن سقطات، لما راجعتك في تعليقك على الأصل الرابع ولبادرتُ بالإنكار، وأنت تعلم فِعلَ المتناظرين – إن كانت نيتهم الغلبة – في فرصةٍ كهذه، وإنّ قضيتي أبسط من ذلك وأوضح، فلست أسعى إلا لقضايا في غاية الوضوح، وهي عند التأمل لا يمكن أن تكون إلا محل اتفاق، ومنها أن عقولنا – أنا وأنت – غير معصومة من الزلل، وقد يتبين لك أن الصواب في خلاف ما كنا عليه، وأنّنا نخطئ المرة بعد المرة، فإنّ عقلك الذي أخطأ في الاستدلال بـ "كما قال العبد الصالح"، وأخطأ في نفي شأن المسيح بحجة أن ذاك من تنزيه الرسول أن يكون المسيح خيرًا منه مع أنه ليس بلازم، وأخطأ في البيان حين قلتَ إن العرش هو الله، وأخطأ في فهم محاوره كما في تعليقك على الأصل الرابع في الرد السابق، وأخطأ في النقل كما أخطأت في نسبة حديثٍ للبخاري على وجهٍ ليس عنده، هذا العقل الذي وقع في هذه الأخطاء التي اعتذرتَ عنها - شيمةَ النبلاء أحييك عليها – هذا العقل – عقلك أو عقلي – لا يمكن أن يُترك له بحالٍ تأصيل العقائد، أو أن يُوكَّل بتوضيح القواعد، فإنّ هذا يتنافى وحفظ الذكر!

فإن جمعتَ الفقرتين السابقتين، تبين لك أنّك تقول إن القرآن عرضةٌ للخطأ في الفهم، والسنة عرضةٌ لذلك وللزيادة والنقص، وآثار الصحابة كذلك هي الأخرى، وعقولنا عرضةٌ للخطأ في تصور التنزيه، وفي الاستدلال، وفي النقل، وفي فهم النص، وفي البيان .. فكيف تقوم حجةٌ على مبطلٍ من خلال قولك هذا؟!

إن كنت ترشدني إلى الانترنت لأرى شبهات النصارى، فإن قولك هذا يفتح الباب لكل ضالٍّ من نصراني أو يهودي أو بوذي أو بهائي أو لاهوري أو من عرفتَ من الضالين، فإنك إن استدللت عليه بالكتاب أجابك إن القرآن عرضةٌ للفهم الخطأ، وإن أجبته بالسنة أجابك بقولك إنها عرضةٌ للفهم الخطأ والزيادة والنقص، وإن أجبته بآثار الصحابة أجابك بقولك إنها لا تفترق عن السنة في شيء، وإن أجبته بعقلك أجابك بما يعرفه الجميع أنّ عقلك عرضة للخطأ في التصور والفهم والاستدلال والنقل والبيان، فكيف تدعو أهل الضلال إلى اتباع حقٍّ ثابتٍ وهذه ثمرة ما اعتقدت؟!

وأقف عند قولك (وآثار الصحابة فيها الصحيح والموضوع، ويجب نقدها عندما تتعارض مع الثوابت الإسلامية)، فمن أين تأتي بالثوابت الإسلامية، أمِن كتابٍ يحتمل الفهم الخطأ، أم من سنةٍ تحتمل ذلك والزيادة والنقصان ورواية بالمعنى، أم من أقوال صحابةٍ "يروي عنهم الراوون بالمعنى كثيرا بما يتعارض مع اللائق بالله" كما قلتَ، أم هو شيءٌ غير ذلك تستمد منه الثوابت الإسلامية؟؟ فانظر في جواب هذا السؤال!

ثم إن منهجك يقوم على تأويل كل شيء، فالقرآن الكريم يؤول، والسنة النبوية تؤول، وآثار الصحابة تؤول، (وكلام ابن مسعود يؤول لكلامي) -تقصد نفسك- اهـ، فإن كان الأمر هكذا، وإن كان التأويل يبلغ من التعسف ما يجعل "عرشه على الماء" تكون "عمد إلى خلق الأحياء"، فمن هذين المقدمتين ينتج أنّ كل الكلام يمكن تأويله، فلا تقوم الحجة على مبطلٍ بسماع كلام الله، ولا بمعرفة أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بآثار الصحابة عليهم الرضوان، فإنه يستطيع أن يؤول كل الكلام ليصير موافقًا لهواه!

يا سيدي .. إنك إن التزمت بهذا المنهج فعلًا، لم تستطع أن تقيم حقيقةً قط، ولم تقدر على أن ترد على مذهبٍ باطلٍ قط، وانقلبت كل نصوص الشرع غير محكمة، وصارت أوضح الواضحات من المشتبهات، وأي لفظٍ يُقيم معنى بعد أن تتوارد وتتواتر النصوص برؤية المؤمنين ربهم في الجنة، عيانًا لا يضامون في رؤيته، كما يرون القمر ليلة البدر، ويسأل الأصحاب أنرى ربنا؟ ويجابون بإثبات ذلك، ثم ينقلب كل ذلك بفعل التأويل وهمًا لا حقيقة وراءه، فأي نصّ تقوم منه حقيقة غير قابلة للتأويل بعد ذلك؟! فلا عجب إذن أن تنقلب نصوص ختم النبوة برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا نبي بعده، في عقول أقوامٍ وهمًا لا حقيقة وراءه، ولا عجب أن يأتي يومٌ تنقلب فيه نصوص توحيد الله وهمًا يُتأول، ونصوص إثبات العلم لله من قبيل الخيال .. ذلك من خلال المعتقد الذي تتبناه!

لتفرض أنّ الله يخبرك أن له صفة اليد، فكيف يخبرك سبحانه بهذا؟! أبكتابٍ تقول إنه عرضة للفهم الخطأ؟ أم سنة تقول إنها عرضة لنقص وزيادة؟ أم بآثار صحابةٍ كذب عليهم النقلة؟! أم بنصوص واضحة ستعمل فيها بالتأويل؟! أم يطمع كل امرئٍ أن يُؤتى صحفًا منشَّرة؟! ألا تذوب رعبًا أن الله أخبرك بصفة اليد وقال (خلقت بيدي)، فأبيت إلا أن تنفي ذلك، وتزعم أنّ هذا ليس بمراد الله، ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا، ما جواب هذا السؤال: لتفرض أن الله يخبرك بصفة اليد التي تليق بكماله وجلاله، فكيف يخبرك بها وما اللفظ الذي لو جاءك لأثبتَّ هذه الصفة؟!

إنّ قولك (لقد قال الله تعالى وتقدس ما قال، ورغم ذلك يحدث الفهم الخطأ ….إلخ) كفيلٌ بأن يبين لك بطلان ما أنت عليه، وأخشى ما أخشاه أن تصرفك نفسك عن التأمل في بطلان هذا القول والذي يفضي إلى بطلان مذهبك، أن تصرفك نفسك عنه إلى محاولة البحث عن تخريجٍ مناسبٍ لهذا الكلام يُرضي محاورك! لذا أرجو أن تصرف الأولوية في نظرك إلى هذه الجملة من قولك وما تستلزمه من بطلان معتقدك! فهذا معتقد لا للإسلام نصر .. ولا للضالين كسر!

(وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)

لقد طرحتُ تعريفًا لظاهر النص كما تواضع عليه أهل العلم، ولم تعلّق عليه في ردك الثالث، ووضعتَ تعريفًا تقول فيه إن "الظاهر هو المعنى الذي ينتصر على غيره من المعاني الباطلة"اهـ، وهذا التعريف ناقص، وقد ذكرتُ لك في الرد الرابع أنّه كان ينبغي أن تبين لي قولك في التعريف الذي ذكرتُه إن كنتَ انتبهت إليه، وقد ذكرتَ بعد ذلك أنّك ستطبق هذا التعريف الذي ذكرتُه في سورة المؤمنون والأنبياء، ولكن ما ورد في بقية كلامك يدلني على أنّك لم تتفق معي على معنى الظاهر بعدُ، فها أنت ترى أن الظاهر نوعان ظاهر فعلي وظاهر كلامًا!! فتقول (وليظهر الظاهر الفعلي، لا الظاهر كلاما)اهـ، ويتضح من كلامك أن هناك مفهومًا للظاهر متداولًا لا توافق عليه فتقول (لم لم تقل حضرتك بظاهر النص حسب مفهوم الظاهر المتداول؟) .. وهذه النقطة في غاية الأهمية في حوارنا هذا!

ولما سألتك كيف يحتكم اثنان إلى الكتاب والسنة، وأنت تقول لهم في النص الذي يحتكمون إليه، إنه ينبغي أن يرجعوا إلى المعنى الحق الذي ينتصر على الباطل، وحيث إنّ كل منهم يرى نفسه على الحق، فقصرك تعريف الظاهر على أنه المعنى الحق تعريف ناقص، والاقتصار عليه يؤدي إلى إلغاء حاكمية الكتاب والسنة، ولا يغني ما ذكرته عن الجمع والتنزيه والسياق شيئًا من هذه العاقبة السيئة .. عاقبة إلغاء الحاكمية!

وحوارنا هذا مثالٌ لاثنين كلّ منهما يرى أنه على الحق، وأنه ينزه الله تعالى، وأن قوله هو القول الذي يجمع بين النصوص، وأن السياق يوافق رأيه، ويغلب على ظني أننا نريد إصلاحًا والله أعلم، وقد رضينا بالاحتكام للكتاب والسنة، فإن طبقنا تعريفك لظاهر اللفظ، وجدت نفسك ترى أنك استطعت السلوك في غابة النصوص، وأنّ كلامك عن السياق يحيى النفوس بخلاف كلامي، وأنك تنزه الله حق التنزيه، ووجدتني أقول إني أجمع بين النصوص بسهولة ويسر، وأن كلامي عن السياق يوافق ما صح عن الصحابة، وأني أنزه الله تعالى حق التنزيه .. وطبيعة الحكم بين اثنين أن يكون قاضيًا على أحدهما بالصواب والآخر بالخطأ إن كانا ضدين .. لا أن يداهن المتحاكمين حتى يصيبهم العجز عن الوصول إلى حُكمٍ عند الاحتكام!

أضف إلى هذا أن ما سبق من قولك إن الله قال ما قال وكلامه عرضة للفهم الخطأ وكذلك السنة وآثار الصحابة، وقد تصيب الزيادة والنقصان السنةَ والآثار، فهذا يعني إلغاء حاكمية الكتاب والسنة تمامًا، لأنّك حين تفقد الثقة بالحكم، بعد أن جعلته حكمًا غامضًا يظهر حكمه بشق الأنفس، تكون أجهزت على ما تبقى من حاكمية للكتاب والسنة!

ثم إنّ أحدًا من أهل العلم لم يستعمل الظاهر بهذا المعنى الذي تقوله، لا من أهل اللغة ولا من أهل التفسير، لا من أهل السنة ولا من غيرهم، وكم مرةٍ تجدهم يقولون "والظاهر غير مراد!"، ونعلم أنهم لا يقصدون أنّ "القول الحق غير مراد"، ويقولون "الظاهر لا يصار إلى خلافه إلا عند الضرورة أو ورود القرينة أو الدليل….."، ونعلم أنهم لا يقصدون أنّ القرينة تصرفنا من المعنى الحق إلى المعنى الباطل، والذين يصرون على التأويل الباطل كثيرًا ما يقولون "والنص متروك الظاهر" ونعلم أنهم لا يقصدون ترك المعنى الحق، ولذا فتعريف ظاهر اللفظ على أنه "ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة"، هو التعريف الصواب أهل السنة ومن خالفهم.

ولنأخذ الرازي كمثال .. فهو ليس بمجروح عندك وإن كان مجروحًا عندي .. فتراه يقول في موضع من تفسيره: (قالوا إنما تركنا الظاهر وعرفنا كون هذا الأمر للإباحة بالإجماع)، فترك الظاهر قام بالإجماع، ولا يعقل أنه يقصد أن الإجماع قام على ترك المعنى الحق، وانظر كلامه في تفسير معنى الكرسي (واختلف المفسرون على أربعة أقوال، الأول : أنه جسمٌ عظيمٌ يسع السموات والأرض … المعتمد هو الأول ، لأن ترك الظاهر بغير دليل لا يجوز ، والله أعلم.)اهـ، فهو يقرر أن كون الكرسي جسمًا عظيمًا هو الظاهر، ويقرر أن ترك الظاهر لا يجوز إلا بدليل، ونعلم أنّه لا يقصد أن الدليل يؤدي إلى ترك المعنى الحق! وعلى ذلك يتضح بالمقال والمثال أن تعريفك لظاهر النص تعريف ناقص، ويؤدي إلى إبطال حاكمية الكتاب والسنة، وهو تعريف لم تسبق إليه!

وحين أقول إنّ الاحتكام يكون لظاهر النص، فإنّي أرد الناس إلى حَكمٍ واضحٍ ظاهر متفق على قوله، يعطيك الحكم بأوضح وأبين لفظ، من غير لجلجةٍ ولا بلبلة، ولا ثرثرةٍ ولا بربرة، وحين ننصرف عن ظاهر اللفظ، فيكون ذلك بأدق الضوابط، كما سبق بيان شروط ذلك، ويكون من هذه الشروط ورود الدليل والبيان من الكتاب والسنة كذلك .. وهذه النقطة كما ترى محوريةٌ في هذا الحوار .. وهي كفيلة لو تأملتها أن تدلك أي النجدين أحق بالاتباع .. أهو الذي يجعل من الشرع قاضيًا مترددًا عي اللسان يطلق حكمًا لم يُحفظ عن الفهم الخطأ وهو إلى الألغاز والأحاجي أقرب، أم الذي يجعل من الشرع حكمًا واضحًا مبينًا حُفِظ حكمه عن الفهم الخطأ وهو كالشمس ظهورًا وجلاءً؟!

إنّك لو وافقتني على أنّ ظاهر اللفظ هو (ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة)، وأقررت كما أقرّ أهل العلم وحتى الذين قالوا بالتأويل الفاسد، أنّ النصوص التي فيها ذكر العرش، يسبق إلى الذهن منها المعنى الذي أذكرُه لا الذي تذكره، ثم جمعته إلى موافقتك على أن القرآن الكريم لم ينزل بألفاظٍ يتبادر إلى ذهن العربي عند سماعها معانٍ غير صحيحة، لعلمتَ أنّك يلزمك القول بالمعاني التي أثبتها من هذه النصوص لا التي تثبتها، سيما وقد فقدتَ أيّ نصٍّ فيه أنّ العرش هو الفيوضات أو التجليات أو أن عرشه على الماء تعني توجه التجليات لخلق الأحياء!

هذه ثمرات منهجك وأصوله!

قد علمتُ أنّ الله يقول (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)، فوجدتك – خضوعًا لمذهبكتقول: (ويستعمل الله إمكانيات اللسان في سبيل التقريب)، فالله يقول إنّ اللسان مبينٌ، وأنت تقول إنه للتقريب، الله يقول إنه يبين الحق، وأنت تقول إنّه يقرب الأذهان لجمال الحق، لتصير المسافة بين الأذهان والحق خالية، يعمل فيها من يريد بالتأويل والتحريف، الله يقول إنه يهدي للحق، وأنت تقول إنه أنزل ما يقربك من الحق لا ما يقف بك عليه!

ولا عجب، فأنت محوجٌ لهذا القول، أما أهل السنة فيقولون إن الله أنزل الكتاب مبينًا، من اتبعه فقد أنجح وأفلح، فإن قال الله إنّه "سميعٌ" و"يسمع"، أثبت أهل الحق صفة السمع، وقالوا إنّ سمع الله ليس كسمع خلقه، فإن تكييف الصفة يختلف باختلاف الذات التي تنسب إليها، وعليه فإن تفويض العلم بالكيفية من لوازم اللسان المبين، أما غير أهل الحق فيرون قوله "وكان عرشه على الماء"، فيقولون إنّ اللسان هنا غير مبين، وإنما هو للتقريب، والمقصودالبعيد بل إن شئت فهو الغامض بل هو الشبهة التي لا حقيقة فيها – أنه توجه التجليات لخلق الحياة!

هذه ثمرات منهجك وأصوله!

وقد عدمتَ في منهجك أي سلفٍ من الصحابة الكرام، وقد سألتك عن أثرٍ واحدٍ لواحدٍ من الصحابة يقول إنّ عرش الملك هو عزه أو تجلياته أو فيوضه أو غير ذلك مما ذكرتَ، بل عدمتَ أي أثرٍ عن واحدٍ من القرون الخيرية الأولى، فهل هذا المنهج هو منهج الصحابة، فلمَ لم يبلغوه؟! ولم يشتهر عنهم وينتشر؟! أين مقتضى الوعد بحفظ الذكر وظهور الدين؟!

وقد سألتك عن العربي أيقوم في ذهنه أن "عرشه على الماء" تعني أنه "عمد إلى خلق الأحياء"، فأجبتَ أنه لن يفهم ذلك أول الأمر وقلتَ: (ثم يتعلم أن عرشه كان على الماء فيفهم أن تدبير الله وتجلي صفاته في الفاتحة تجلت على الماء بعد فرش الكون لقدوم الحياة.)اهـ، فأينَ النصوص التي يعلم فيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم أو الصحابةُ عليهم الرضوان العربيَّ الذي يدخل الإسلام أن عرشه على الماء تعني أنه عمد إلى خلق الأحياء، أم تراهم وقعوا فيما استنكرته من أن (تساق النصوص وتترك هكذا للعامي والغمر دون تأويل ينزه الله)؟! أم تراهم فهموا أن المتبادر إلى ذهن العامي والغمر – الخلي عن تجربة المذاهب الأخرى – هو الصواب من أنّ عرشه على الماء تعني أن عرشه على الماء ولا تعني أنه عمد إلى خلق الأحياء؟! فهذا سؤالٌ لازمٌ يبطل قولك وليس لك عليه جواب: إن كان العربي لا يعرف هذا المعنى "عمد إلى خلق الأحياء" إلا بالتعليم، وإن كان سوق النصوص للعامي دون بيان التأويل الصحيح أمرًا مستنكرًا، فأين الأحاديث أو الآثار التي فيها ذكر هذا المعنى إن كان حقًّا ما تقول؟!

ولذلك فأنت مضطر إلى المصادرات في حق الصحابة، فأنت تصادر وتقول عن الصحابة: (لا يمكن تخيلهم يفهمون غير ذلك)، بينما المنقول عنهم خلاف ذلك، وتصادر وتقول عن ابن مسعود: (ولو كان ابن مسعود معنا الآن ورأى الحوار فسيقف بجانبي بشكل أكثر من وقوفه بجانبك)، وابن مسعود رضي الله عنه هو الذي قال: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"، فهل قائل هذا الكلام يوافق على مذهبٍ لازمه الزعم بأن السنة وآثار الصحابة عرضة للخطأ في الفهم أو الزيادة والنقصان؟!

هذه ثمرات منهجك وأصوله!

وكالعادة يقوم مذهبك على كلماتٍ لم تُعرف عن أحدٍ من السلف، كلماتٍ اتفقنا قبلُ أننا لا نطلق فيها حكمًا بنفيٍ ولا إثباتٍ حتى نستبين المعنى المخبوء في ظلها، فها أنت بعد الاتفاق تنقض، فبعد نفي الجهة و التكثر تقول (والله تعالى متقدس سبحانه عن (المواضع) أو أن يكون له جوارح تشعر بالتبعيض)اهـ.، وحيث إنّه هذه الألفاظ لم ترد في الكتاب والسنة، فإنّ إطلاقك النفي فيها غير مسلم، فإن كان المقصود بنفي هذه الكلمات نفي تمثيل الله بخلقه فنحن نقره ونقول إنّ اللفظ الوارد في الكتاب والسنة هو الأحق بالاستعمال، وإن كان المقصود بنفي هذه الكلمات نفي صفات الله تعالى فنحن لا نقر هذا النفي ونثبت صفات الله تعالى ونكتفي بما ورد في الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة!

وكذلك يقوم منهجك على التمثيل بادي الرأي، وبعد وقوعك في التمثيل تلجأ للقطب الآخر، فتقع في التأويل والتعطيل، ومن ذلك فهمك والتزامك للنسب الحجمية بين القدم وجهنم – ولا أدري ما داعي سؤالك عن عدم تعليقي على كلامٍ لا يوافق كلانا عليه! - والتزامك في فهم النص بالنسب الحجمية بين القدم والكرسي، وعلاقة القدم بالساق بارتفاع العرش! فأنت تفهم النصوص بتمثيلٍ بل بغلوٍّ في التمثيل، ثم ترتد نافرًا إلى الطرف الآخر، فتلغي معاني القدم والكرسي والعرش، إلى معانٍ أخرى غير مقصودة، وقد كان يكفيك من ذلك أن تمر النص كما جاء، وتعلم أن اختلاف الذوات يقابله اختلاف الصفات، فإن سألك سائل "كيف؟!" قلتَ "لا أدري!"، كمثل قولك: (الله قريب من كل شيء خلقه تعالى بنفس الدرجة، فليس الله قريبا من السماء السابعة أكثر من قربه من الأرض، كيف؟؟ لا أدري)اهـ.

أما قولك (الله قريب من كل شيء خلقه تعالى بنفس الدرجة)، فإن كنت تقصد قربه تعالى بعلمه من جميع خلقه فمسلّم، وإن كنتَ تقصد قربه تعالى من بعض خلقه في بعض الأحوال بكيفيةٍ لا نعلمها ولا يلزم منها خلو العرش منه فمسلّم، وإن كنت تقصد أن الله قريبٌ بذاته من جميع الخلق في كل الأوقات والأحوال فغير مسلم إذ ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم قربه تعالى من جميع مخلوقاته في كل حال!

ولقد رأيت قولك بـ (استحالة صحة وجود قدمين لله)اهـ وقولك (لتنزه الذات عن الأقدام)اهـ، فقام في خاطري عدة أسئلة: هل إثبات قدمين لله من المستحيل عقلًا؟! أليست المسألة توقيفية لا علم لنا بها إلا من جهة النص؟! هل ترفض إثبات قدمين لله حتى لو أثبتهم الله لذاته؟! – وأطمع في جوابٍ صريحٍ لهذا السؤال السابق - فإن قام النص الصحيح الصريح أثبتنا ما يثبته دون تمثيل أو تعطيل فنمر النصوص كما جاءت، وإن كنت ترى في إثبات القدم تمثيلًا، فإن الجهمي يرى في إثبات العلم تمثيلًا، والملحد يرى في إثبات الذات تمثيلًا، فجوابك على الجهمي والملحد في إثبات الذات والعلم هو جوابي عليك في إثبات القدم .. وأختم هذه الفقرة بسؤال: أيمتنع أن يكون له قدم تناسب ذاته تستحق من صفات الكمال ما تستحق الذات؟!

وقد اتفقتَ على صواب التقسيم والتعليم والتنظيم والاستقراء، بما يدل على أنك لن تجد غضاضة في تقسم التوحيد أو تقسيم الصفات في حد ذاته، وهذه خطوة في سبيل الاتفاق بإذن الله، ولكنك مازلت تشنع بأن تعداد الصفات قد يُنشئ في ذهن العامي وهمًا بذات عملاقة شفافة لها كذا وكذا، في حين أن مذهبك لا يخلو من هذه الشناعة المدعاة، فيمكنني الرد عليك بأنك حين تثبت الذات، يقوم في ذهن العامي تصور ذات عملاقة شفافة، فإن نفيت عنها العين، قام في ذهن العامي ذات عملاقة شفافة بلا عين، فإن نفيت اليد والوجه قام في ذهن العامي ذات عملاقة شفافة بلا وجه ولا يد، وهكذا .. فإن أجبت بأن هذا يُتقى بتعليم أنه ليس كمثله شيء، أجبتك بأن ما تخشاه من إثبات الصفات يتقى بمثل ذلك، وإن أجبتَ بأن اختلاف الذوات يستلزم اختلاف الصفات، أجبتك بأنّ هذا ديدني، وإن أجبتَ بأن هذا يُجتنب بحسن التدريس، أجبتك بمثل ذلك .. إذن! فلا معنى لما تطرحه هنا من وهمٍ يقوم في ذهن العامي، لأمور: أنّ هذا الوهم يلزمك إن ألزمتني به! وأنّ طريقتك في نفيه هي طريقة محاورك! وأخيرًا أنه ليس من وسم الباحث أن ينفر من الحق لوهمٍ يزول بالتعليم!

تنبيه لطيف: كثيرًا ما يقع المنخرطون في مناظرة الملاحدة والنصارى وغيرهم من الضالين، كثيرًا ما تصيبهم آفة من هذه الحوارات وهم لا يشعرون، فإنهم ينظرون في كل نصّ أو حدثٍ أو تشريع، فيزنونه بميزان هذه المناظرات، فيقولون في أنفسهم "هل هناك فائدة من هذا النص أو الحدث أو التشريع تغري النصارى بالإسلام؟!؟"، فيكون هذا لهم معيارًا وهم لا يشعرون، وهذا المعيار وإن كان الداعي له نية خير، إلا أن هذا لا يعني أنه معيارٌ صحيح، وكم من مريدٍ للخير لم يدركه، وقولك (لا فائدة للإسلام من إثبات قدمين للذات) مثالٌ على هذا، فانتبه لذلك يا هداك الله .. إنني لو سألتك (ما الفائدة من تحديد الظهر بأربع ركعاتٍ للإسلام!؟) .. أو (ما فائدة القول بسبع سماواتٍ للإسلام؟!) .. لما استطعتَ جوابًا إلا أن تقول إنّ هذا تكليفٌ من رب العالمين، فيكون منّا متبعٌ محسنٌ وتاركٌ مفرط .. فهذا هو رد ما ادعيت من أنه لا فائدة للإسلام من إثبات قدمين ووجه ويد .. فمن صدق بهذه الصفات على وجهٍ يليق بالله عز وجل بلا تمثيلٍ ولا تحريف، كما أثبت العلم والقدرة والرحمة فقد أفلح وأنجح، ومن رفضها وقدّم عقله وأبى إلا التعطيل فقد خاب وخسر .. نسأل الله النظر إلى وجهه الكريم! وأن يثبت قلوبنا على هذا الدين!

إن أمر الاعتقاد قد بيّن وتم، ولسنا في حاجة للبحث عن علاقة عبقرية بين القدم والعلم، فقد كفانا الصحابة عليهم الرضوان ذلك، ولا يفوتني في الحديث عن منهجك، أن أذكّر بأنك تستدل بلسان العرب بطريقةٍ لم يعرفها العلماء، فكلما أردتَ الاستدلال بشيءٍ من لسان العرب، وجدتك تنقل من القاموس المحيط كلمتين، وقد نبهتك إلى هذا قبلُ فقلتُ (ولا يكتفى هاهنا بنقل كلمتين من القاموس المحيط لتقوم بذلك حجة)، فقد طفق المختلفون في هذا الأمر يستدلون بموارد الألفاظ في الكتاب والسنة وآثار الصحابة واستعمال العرب الذين نزل القرآن عليهم، ولم أرَ قبلُ ما تفعله من نقلٍ لكلمتين من القاموس المحيط، الذي وُضِع بعد الهجرة بقرونٍ عديدة، وكأنّ هذا يُنهي النزاع ويوجب الاتفاق!

هذا عن منهجك ولوازمه وما اضطرك إليه، أدعك تتأمل فيه، وأنتقل إلى بيان مذهبي الذي لا تعرفه أنت، فأنت تقول (أنكم لم تلتزموا بإمرار النصوص كما جاءت)اهـ، وتقول (قلتم أن الناس أحدثوا إنكارات فأحدثنا إثباتات الصفات، ولكن كما ترون فقد تبين أن في الإثباتات أخطاء)اهـ، وتقول (ومن العجيب أن كثيرا منهم يلجأون لتأويل حديث الهرولة ولا يؤلون آية الأعين)اهـ، وتقول (لم يحكموا، لأن نقد المتن مهم) … إلى غير ذلك من أقوالٍ تدل قطعًا على أنك لا تعرف ما عندنا من الحق كما أسلفتُ الذكر .. فإليك تفصيل الأمر، وأعلم أن في هذا استطرادًا، ولكني أطمئن إلى كونك محاورًا منصفًا لن يستغل هذا الاستطراد في تشتيت الموضوع، سيما وأنا ما استطردتُ إلا حرصًا على بيان الحق، "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها"!

حاشية: لا أدري لماذا تحاول تحريف كلامي فتجعلني أقول إن الغمر "جدير بفهم الأشياء العليا في القرآن"، بينما قولي إن العقيدة جاءت بأوضح وأبين وأفصح لفظ حتى يعلمها العامي والعالم، ويدركها البحر والغمر، فإن كنت تنوي تكرار ذلك ونحلي ما لا أقول، فأنت وما أردت، لكني أبرأت ذمتي إلى الله، فأعدتُ المراد طردًا لاحتمالِ أنك أُتيت من قِبل سوء الفهم لا قصد التشنيع على المحاور!

مذهب أهل السنة والجماعة الذي لا تعرفُه!

إنّ المرء حين يرى شناعة التهمة بما يجاوز المعقول يعلم أن الرامي بها لا يعلم عن مخالفه شيئًا، ومن ذلك أن ليس في معتقدي الذي ترفضه أنّ كل ما يُضاف إلى الله تعالى يكون صفة ذات، فهذا ليس من العقل في شيءٍ فضلًا عن أن يكون من الإحكام، وإنما عندنا القاعدة الثابتة أن ما أضيف إلى الله مما هو غير بائنٍ عنه فهو صفةٌ له غير مخلوقة، وكلُّ شيءٍ أضيف إلى الله بائنٌ عنه فهو مخـلوق، فليس كل ما أضيف إلى الله يستلزم أن يكون صفةً له، وهكذا نقف أمام "ناقة الله" و "بيت الله" و "رسول الله" و "يوم لا ظل إلى ظلي"، ونقول إنّ هذه المضافات مخلوقة، والإضافة إضافة خلقٍ وتشريف أو غير ذلك من المقاصد!

ولا أراك إلا متوهمًا أننا نثبت لله صفات ذاتٍ حادثة، وإلا فما معنى قولك (وحاشا لله أن يستعين بشيء ليرى)اهـ؟! يا سيدي إننا نقول بصفاتٍ تليق بجلاله عزّ وجل، صفاتِ من ليس كمثله شيء، فليست عينه محدثة لتزعم زعمك وتفهم مثل فهمك، بل هي كصفة القدرة، فإن كان الله يخلق الكون بقدرته وعلمه، من غير أن يكون في ذلك عجز مستنكر، فإنه تعالى يرى بعينه من غير توهم عجزٍ مستنكر، وإلا لفهمنا أن قولك (أزال الله مابيننا من اختلاف بفضله) على أن الله يستعين بفضله!!

أنت تهاجم مذهبًا يقول إن كل شيءٍ هالكٌ "حتى ذات الله" إلا وجهه!! بناءً على سطحية شديدة في فهم النصوص، أنت تهاجم مذهبًا "يحدث إثباتات لأن الناس أحدثوا إنكارات"، بينما مذهبي مذهب أهل السنة والجماعة أهل الحديث والأثر، فيه أن صفات الله تعالى وأسماءه توقيفية، ويعوذون بالله من القول على الله بغير علم، أو الافتراء على الله أن هذا معنى كلامه دون أين يكون هذا هو المعنى، أو أن يصرفوا كلامه عن ظاهره المتبادر إلى الأذهان من غير دليل إلا تحكيم العقل وضلالات الفلاسفة!

إنّ التأويل عندنا يطلق على عدة معانٍ، بينما تحصره أنتَ في معنى واحدٍ فتقول (وما التأويل سوى حسن الفهم)اهـ، وقد تكرر ذلك منك غير مرة، بينما الثابت أنّ التأويل له أكثر من معنى كما ذكرتُ:

الأول: يقصد بها العاقبة، كما في قوله تعالى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) وقوله تعالى: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).
الثاني: وقوع حقيقة الأمر المخبر به، كما في قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ).
الثالث: تأويل الرؤى يسمى تأويلًا بالاعتبارين السابقين، كما في قوله تعالى (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ)، وقوله تعالى (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا).
الرابع: التفسير والبيان، كما في قوله صلى الله عليه وسلم (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، وهذا ما يقصده السلف الصالح، كما يقول الطبري في غير موضع من تفسيره (القول في تأويل قوله جل ثناؤه …).

فهذه المعاني ليست هي المقصودة حين ننفي التأويل، أما أن يكون التأويل ما اصطلح عليه المتكلمون من صرف اللفظ عن ظاهره، فهذا الذي ننفيه إن عدم الدليل من الشرع، لما فيه من تعطيل نصوص الكتاب والسنة، وعليه فإن حصرك التأويل في معنى واحدٍ ليس مقبولًا نقلًا ولا لغةً ولا واقعًا، ونحن لا ننفي التأويل الذي هو حسن الفهم، بل ننفي التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره دون داعٍ إلا النفور من أمورٍ متوهمة كنفي التكثر وما شابه!

ونحن نقول بصرف اللفظ عن معنى إلى معنى آخر يقتضيه السياق، إذ إن ما دلّ عليه السياق من ظاهر الخطاب، ولهذا شروط وإليك هذه الشروط:
الأول: أن يكون اللفظ مستعملًا بالمعنى المصروف إليه في اللغة، لأنّ الشرع نزل باللسان العربي، ولو تخلّف هذا الشرط لجاز لكل ضالٍّ أن يفسر كل لفظٍ بما يشاء من معنى ولو كان لا أصل له في اللغة!
الثاني : أن يكون هناك دليلٌ قاطعٌ - سالمًا عن المعارض - يوجب صرف اللفظ إلى المعنى المصروف إليه، وإن انعدم هذا الدليل القاطع وجب حمل اللفظ على المعنى الحقيقي الذي يغلب استعماله فيه.
الثالث : "أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلامٍ وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته فلا بد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته وأنه أراد مجازه سواءً عيّنه أو لم يعينه لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم فيه الاعتقاد والعلم.. لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مراتٍ كثيرة، وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد والفقيه وغير الفقيه، وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه، ثم أوجب ألّا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئًا من ظاهره، لأن هناك دليلًا خفيًّا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره كان هذا تدليسًا وتلبيسًا، وكان نقيض البيان وضد الهدى وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان، فكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره أقوى بدرجاتٍ كثيرةٍ من دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد، أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس لها حقيقة؟"!

مثال ذلك: قال صلى الله عليه وسلم (إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني!)، فيسوغ في اللغة أن يكون المراد "مرض عبدي"(1)، وقام الدليل القاطع أنّ الله تعالى منزه عن المرض، لأنه المرض نقصٌ من كل وجه، وهو سبحانه (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) ولا يمسه لغوب، ولم يقف لهذا الدليل القاطع معارض(2)، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله في تمام الحديث: (قال : يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده ؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟)(3) .. هكذا عقيدة مؤصلةً ثابتة لا تختلف ولا تتخلف .. عقيدة تقوم على أن النصوص أتت بالوضوح والبيان لا تلبيس وتدليس وأحاجي وألغاز!

على النقيض من ذلك، انظر صفة اليد الثابتة لله تعالى، وفساد تأويلها بالقدرة أو النعمة أو غير ذلك مما بين فساده أهل العلم:
تخلف الشرط الأول: فإن كان في لغة العرب استعمال اليد بمعنى القدرة و النعمة، لكن ليس من لغة العرب أن تستعمل اليد بصيغة التثنية بعد فعلٍ مضافٍ إلى فاعلٍ ومتعدٍّ إلى اليد بالباء، هكذا على هذه الصفة لم تستعمل اليد أبدًا بمعنى القدرة أو النعمة، كقوله تعالى (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، ولم تستعمل بهذه الصفة بمعنى "خلقت أنا"، لأنّ هذا المعنى تضاف فيه اليد إلى الفعل، كقوله تعالى (بما قدمت يداك) أي ما قدمتَ.
تخلف الشرط الثاني: لا يوجد موجب لصرف اليد عن الحقيقة.
وقولك (وفي الفهم الشائع المتبادر، أنها يد جارحة يستعين الله بها على صنع الأشياء)اهـ، فأنت بذلك تنكر إنكاراتٍ بناء على توهماتٍ على وزان تعبيرك!
إذ لا يمتنع في العقل أن يكون له سبحانه "يد" تناسب ذاته تستحق من صفات الكمال ما تستحق الذات، كما له علم وقدرة وذات ووجود يليقان بكماله، ولا يقول أحد إن المعنى الشائع المتبادر علمٌ يسبقه جهلٌ ويذهب به نسيان، أو قدرةٌ يسبقها عجز وبها يستعان، أو ذاتٌ كالذوات، أو وجودٌ كوجود سائر المخلوقات، وكذلك لا يقول أحدٌ إنها يد جارحة يستعان بها، بل له سبحانه الأسماء الحسنى والصفات العلى.
تخلف الشرط الثالث: لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحدٍ من الأصحاب رضي الله عنهم أن المراد باليد خلاف ظاهرها أو أن الظاهر غير مراد.
وما يستدل به بعضٌ من قوله تعالى "ليس كمثله شيء"، فهذه الآية تنفي التمثيل، ونحن نثبت يدًا ليست كأيدي المخلوقين، كما أثبتَّ وأثبتنا علمًا ليس كعلم المخلوقين، وذاتًا ليست كذوات المخلوقين.
فكيف يكون الكتاب والسنة مليئين بآيات فيها ذكر اليد، التي يُفهم منها اليد بالمعنى الحقيقي لا اليد بمعنى القدرة أو النعمة، ثم لا يبين الله ولا رسوله ولا أحد من الصحابة أن المراد الظاهر غير مراد، ألا يكون ذلك من التلبيس والتدليس وخلاف البيان والهدى ونقيض حفظ الذكر وظهور الدين؟!

فهذا بيانٌ واضح في صفة اليد، أعطِه حقّه من التأمل، لتعلم أنّ هذا المنهج الذي ترفضه هو المنهج الوحيد الذي يجمع بين التنزيه وتحكيم النص، في وضوحٍ وظهور، وإن كان قوله تعالى (يد الله فوق أيديهم) يظهر منه المراد، إلا أن الاستدلال فيه يطول، والأخذ والرد في نقض ما أجبتَ به – مما ليس فيه مقنع - على سؤالي عن سخرية الشاعر من الملك مبتور اليدين بقوله "والمملكة في يديك"، وعن كون ثبوت اليد لجنس الإنسان هو الذي سوّغ التعبير بقوله "والمملكة في يديك"، فقد رأيت أن الحكمة أن أنتقل إلى استدلال أخصر وأقصر وأبين وأوضح!

أما السؤال عن كيفية فهم قوله (خلقت بيدي) .. أهو يعني المماسة؟! فنقول: الله أعلم لا ندري عن الكيفية، كالسؤال عن كيفية فهم قوله (تعلقت بحقو الرحمن) .. أهو يعني المماسة؟! فنقول: الله أعلم لا ندري عن الكيفية، وإثبات اليد لله لا يلزم منه نقص، لأننا نثبت له ما يليق بكماله سبحانه، وإثبات الحقو لله لا يلزم منه نقص، لأننا نثبت له ما يليق بكماله سبحانه، ولا ننكر صفةً جاء بها النص بناءً على وهم المتوهمين وشناعة المشنعين، ونعلم أنّ النصوص التي وردت فيها "اليد" أغزر وأكثر وأوضح من تلك التي ورد فيها "الحقو"، لكنّ هذا لا يمنعنا من أن نمر النصوص كما جاءت دون تكييف يفضي أو ينتج من تمثيل، أو تأويل يفضي إلى تعطيل!

أما الأثر (الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح بها عباده) و(الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه أو قبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه)، فما ورد منه مرفوعًا فقد قال فيه ابن العربي (حديثٌ باطلٌ فلا يُلتفت إليه)، وقال فيه ابن تيمية (روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسنادٍ لا يثبت)، وفي إسناده إسحاق بن بشر كذّبه ابن أبي شيبة وأبو زرعة، وأما ما ورد عن ابن عباس موقوفًا، فإنّه ضعيف جدًّا كما قال الألباني رحمه الله، وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو متروكٌ كما قال أحمد والنسائي، وعلى احتمال صحته وهو ليس بصحيح، فإليك مسلك أهل السنة في هذه النصوص، وهو المسلك الذي لا يختلف ولا يتخلف، يقول ابن تيمية رحمه الله: (ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه إلا على من لم يتدبره، فإنه قال {يمين الله في الأرض} فقيده بقوله {في الأرض}، ولم يطلق فيقول يمين الله، وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم اللفظ المطلق، ثم قال {فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه} ومعلوم أن المشبه غير المشبه به، وهذا صريحٌ في أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلًا، ولكن شبه بمن يصافح الله، فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله كما هو معلومٌ عند كل عاقل) اهـ، وهكذا حتى مع الضعيف نلتزم بما ذكرنا من أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أنه لا يقصد الحقيقة، وبالمناسبة فإن ما ذكرتَه عن أبي يعلى ليس هو ما أخذه عليه أهل العلم، وإنما كان استدلاله بالأحاديث الضعيفة والموضوعة في إثبات الصفات هو أساس الإنكار عليه، ولذا قال ابن تيمية رحمه الله في درء التعارض (ولهذا – أي لاستدلاله بالموضوع والضعيف - وغيره تكلم رزق الله التميمي وغيره من أصحاب أحمد في تصنيف القاضي أبي يعلى لهذا الكتاب بكلامٍ غليظ، وشنع عليه أعداؤه بأشياء هو منها بريء، كما ذكر هو ذلك في آخر الكتاب .. مع أن هؤلاء وإن كانوا نقلوا عنه ما هو كذبٌ عليه ، ففي كلامه ما هو مردودٌ نقلًا وتوجيهًا)، وقال عنه الذهبي في السير (ولم تكن له يدٌ طولى في معرفة الحديث، فربما احتج بالواهي)اهـ، فأولى بك ثم أولى أن تتحقق من صحة الحديث قبل أن تعمل في تأويله أو تمن عليّ بضرب الصفح عنه، فالتفسير فرع التصحيح!

وكذلك الحديث الذي تمن عليّ أنك ضربتَ الصفح عنه، وهو (إن كرسيه وسع السماوات و الأرض، و إنه يقعد عليه، ما يفضل منه مقدار أربع أصابع - ثم قال بأصابعه فجمعها - و إن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله)، وكذلك (إن عرشه لعلى سماواته و أرضه هكذا مثل القبة، و إنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب)، فإنّ الأول ضعيفٌ فيه من لا يُعرف، والثاني فيه مدلسٌ لم يصرح بالسماع، ولذا حكم عليهما الألباني رحمه الله بالنكارة، فلم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثٌ في أطيط الكرسي أو العرش، ولم يصح عن أحدٍ من الصحابة رضوان الله عليهم أنه يئط "به"، أو أنه أطّ من "ثقله"، ولذا فقولك (وآثار الصحابة فيها الصحيح والموضوع)اهـ، وما نقلتَه من قول ابن الجوزي (ثم هي مجموعها يسيرة والصحيح منها يسير)اهـ، لا يلزمني إلا إن وجدتني أستدل بحديثٍ ضعيفٍ أو أثرٍ موضوع، وأنا أشترط على نفسي في كل ما أكتب ألا أستدل بحديثٍ ولا أثرٍ إلا إن ثبتت صحته، فكيف حين أكتب عن أسماء الله تعالى وصفاته؟!!

إن تغيير الدعاوى في كل ردٍّ ليس من مصلحة الحوار في شيء، فأنت عندما قلتَ إنّ كلامي عن حديث سجود الشمس كمثل كلامك، كنتَ تحتج بأني أقول بمثل قولك في معنى العرش من حيث لا أدري، فقلتَ (وقد اعترفتم بالتأويل ومفهومنا للعرشكما ترى أيها المهندس- والسجود وأنهيتم الحوار بالاتفاق دون أن تدركوا)اهـ، وقلتَ (وتدعي في قلب المقالة لاحقا أن العرش ليس له أي معنى من المعاني التي ذكرتها لكم بينما أنت توافقني عليها –كما ترى أيها المهندس الكريم - هنا)اهـ، فكنتَ تزعم أني أوافقك على معنى العرش، وقد رددتُ عليك، وبدلًا من أن تقر – إقرار النبلاء – أنك أخطأت، حوّرت الدعوى إلى دعوى جديدة فقلتَ: (فأولتم حركة منصوصا عليها ذهابا وإيابا بأنها تعبير عن شأن دائم من الطاعة، وأرى هذا اتفاقا معي قاطعا لاشك فيه)اهـ، وقلتَ (لم لم تقل أن جسم الشمس المحسوس يذهب متحركا منتقلا قاطعا المسافات، صاعدا يعرج في الكون كي يسجد تحت سرير العرش المحسوس، تنتظر الإذن. (وتقول هو هكذا الأمر يجب أن يفهم)، بل قلتم : بدوام الخضوع تحت العرش.)اهـ.، وحيث إنك غيرتَ الدعوى فهاك الجواب:

إنني في هذا الحديث أتمسك بشدة بظاهر اللفظ، وعندما يثير الشبهاتِ نصرانيٌّ على معنى هذا الحديث، فإن جوابي عليه يكون بإلزامه بلفظ الحديث، فلا أدري كيف رأيتني لا أتمسك بظاهر النص هنا، بينما أنا أرفض أي لفظٍ يضيفه بعضٌ مثل "صاعدًا يعرج في الكون"، مثلما أضفتَ أنت من عندك ما ليس من لفظ الحديث، وإنما مما تسرب إلى فهمك أو مما سمعته من أهل الشبهات، فالأمر واضحجدًّا – أني أقول إن الشمس ذاك الجسم المحسوس، تذهب وهي في ذهاب دائمضرورة الحس – وتسجد سجودًا يناسب ذاتها، فاختلاف الذوات يلزم منه اختلاف كيفية الأفعال، وهذا السجود يكون تحت العرش المخلوق، وهي دائمًا تحت العرشضرورة الحس والنقل – وتستأذن فهي دائمًا تسير بإذن من ربها، وهذا التزام بظاهر النص كما لا يخفى، وهذا ما ذكرتُه بدايةً (إن الشمس ساجدة سجود خضوع تحت عرش الله تعالى، وكل المخلوقات تحت العرش، وسجود الشمس ليس كسجود الإنسان، كما أن تسبيح الطير ليس كتسبيح البشر، ونقول بما يلزم ذلك من دوام سجود الشمس وخضوعها، تحت عرش الله عز وجل)اهـ، أما ما أضفتَه أنت من "صعود وعروج في الكون" فليس في النص حتى ألتزم به .. فأين هنا ما ادعيته من عدم التزامي بظاهر النص؟! وأين ما يحوجنا لتأويل العرش هنا لنجعله بمعنى التدبير؟!

إننا – أيها المهندس – أهل إنصاف، فنعلم أن الصفة الوحيدة التي اختلف الصحابة في ورودها في القرآن هي صفة الساق، نعلم أن قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)، هو الموضع الوحيد الذي اختلف فيه الصحابة رضي الله عنهم، وسبب الخلاف أنّ ظاهر القرآن ليس فيه أنّ هذه صفة الله تعالى، فقد وردت نكرةً غير معرفةٍ ولا مضافة، وهذا اللفظ بمجرده لا يدل على أنها ساق الله، ومن الإنصاف كذلك أن تقف عند الحديث الصحيح (يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة)، والحديث الصحيح (إذا جمع الله العباد بصعيدٍ واحدٍ نادى منادٍ: يلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، فيلحق كل قومٍ بما كانوا يعبدون، ويبقى الناس على حالهم، فيأتيهم فيقول: ما بال الناس ذهبوا وأنتم ههنا؟ فيقولون: ننتظر إلهنا، فيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا تعرف إلينا عرفناه، فيكشف لهم عن ساقه فيقعون سجودًا، وذلك قول الله تعالى: "يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون" ويبقى كل منافقٍ فلا يستطيع أن يسجد ثم يقودهم إلى الجنة)، فنثبت لله تعالى الصفة من الأحاديث الصحيحة، من غير تمثيل ولا تعطيل، ولا يقول عارفٌ بالعربية أنّ الكشف عن الساق لا يأتي إلا بمعنى الشدة والهول، وملكة سبأ لما قيل فيها "وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا " لم يخالف ذلك اللغة، والكشف عن الساق في اللغة هو معنى الحقيقة التي اشتق منها المعنى المجازي كما ذُكر في القواميس، فليست القواميس مطبقةٌ على نفى الساق، ولسنا ننفي وجود الخلاف بين الصحابة في هذه الآية دون غيرها، إلا أن اختلافهم في تفسير الآية لا يعني اختلافهم في فهم الأحاديث، ولا نملك – كمسلمين – إلا إمرار الأحاديث الصحيحة كما جاءت، فنثبت صفة الساق على الوجه الذي يليق بكماله سبحانه.

إننا أهل إنصاف نرحب بالنظر الذي يعتمد على الدليل، لا التحريف الذي لا يقوم إلا على المصادرات العقلية، قال صاحب كتاب "القواعد المثلى .. في صفات الله وأسمائه الحسنى"، عند شرح حديث "من تقرّب مني شبرًا تقربت منه ذراعًاالحديث "، قال (فأي مانعٍ يمنع من القول بأنه يقرب من عبده كيف شاء مع علوه؟ وأي مانعٍ يمنع من إتيانه كيف يشاء بدون تكييفٍ ولا تمثيل؟ وهل هذا إلا من كماله أن يكون فعالًا لما يريد على الوجه الذي به يليق؟ وذهب بعض الناس إلى قوله تعالى في هذا الحديث القدسي "أتيته هرولة" يراد به سرعة قبول الله تعالى، وإقباله على عبده المتقرب إليه المتوجه إلى قلبه وجوارحه، وأن مجازاة الله للعامل له أكمل من عمل العامل، وعلل ما ذهب إليه بأن الله تعالى قال "ومن أتاني يمشي" ومن المعلوم أن المتقرب إلى الله عز وجل الطالب للوصول إليه لا يتقرب ويطلب الوصول إلى الله تعالى بالمشي فقط، بل تارة يكون بالمشي كالسير إلى المساجد ومشاعر الحج والجهاد في سبيل الله ونحوها، وتارةً بالركوع والسجود ونحوهما، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، بل قد يكون التقرب إلى الله تعالى وطلب الوصول إليه والعبد مضطجع على جنبه، كما قال الله تعالى "الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم" .. فإذا كان كذلك صار المراد بالحديث بيان مجازاة الله تعالى العبد على عمله، وأن من صدق في الإقبال على ربه، وإن كان بطيئًا جازاه الله تعالى بأكمل من عمله وأفضل، وصار هذا هو ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية المفهومة من سياقه، وإذا كان هذا ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية لم يكن تفسيره به خروجًا به عن ظاهره، ولا تأويلًا كتأويل أهل التعطيل، فلا يكون حجة لهم على أهل السنة ولله الحمد .. وما ذهب إليه هذا القائل له حظ من النظر، لكن القول الأول أظهر وأسلم وأليق بمذهب السلف)اهـ، وفي هذا جواب ما ورد في رسالتك السابقة.

تقول: (هل كلمة الذات تضاف بلا ضابط؟؟ هل قال أحد من الصحابة أننا سننظر لذات الله تعالى؟؟؟ أليس في النصوص أن الله لو كشف الحجب لاحترق الوجود؟؟؟)اهـ.
أولًا: إن رؤية الله تعالى ممكنةٌ عقلًا في الدنيا والآخرة، ودليل ذلك الإمكان العقلي أنّ موسى عليه السلام وهو كليم الله قال (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ)، وكليم الله عليه السلام كان يعلم المستحيل العقلي، إلا أن يرى راءٍ أن عقله أرجح من عقله عليه السلام!

ثانيًا: رؤية الله تعالى ممنوعةٌ في الدنيا كما ثبت في الشرع، والدليل قوله تعالى لموسى عليه السلام (لَنْ تَرَانِي)، وقوله صلى الله عليه وسلم (وإنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)، وقوله صلى الله عليه وسلم (حجابه النور ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، أما في الآخرة فقد قال صلى الله عليه وسلم (فيرفع الحجاب فينظرون إلى وجه الله).

ثالثًا: رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة ثابتة بالكتاب والسنة ولم ينقل خلاف القول بها عن الصحابة رضي الله عنهم.
أما الكتاب فقوله تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، وقوله (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)، قال صلى الله عليه وسلم (إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ وتنجنا من النار!؟ قال: فيرفع الحجاب فينظرون إلى وجه الله فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ).
أما السنّة فقد بلغت حد التواتر كما قال ابن كثير رحمه الله: (وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها)، ومن ذلك (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا)، وقوله (إنكم سترون ربكم عيانًا)، ولما سأله الأصحاب (يا رسول الله أنرى ربنا؟!) لم يقل لهم إن المقصود رؤية نعمته، بل قال لهم (تضامون في رؤية الشمس في الظهيرة في غير سحاب؟! قلنا: لا، قال: فتضارون في رؤية القمر ليلة البدر في غير سحاب؟! قالوا: لا، قال إنكم لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في رؤيتهما).

رابعًا: قوله تعالى "لا تدركه الأبصار"، "فالإدراك أخص من مطلق الرؤية، لأن الإدراك المقصود به الإحاطة، والعرب تقول: رأيت الشيء وما أدركته، فمعنى "لا تدركه الأبصار" لا تحيط به … وقد اتفق العقلاء على أنّ نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فانتفاء الإدراك لا يلزم منه انتفاء مطلق الرؤية".

خامسًا: قد وقف أقوامٌ أمام غابة النصوص، بفكرة مسبقة أنّه لابد من نفي الرؤية في الآخرة، فأخذوا يقولون إن المقصود يرون نعمة ربهم، فاستعمل أهل السنة ما هو من دلالة نصوص الوحيين ومعانيها الحقة لا تخرج عنها البتة، فقالوا يرون ربهم عيانًا، وإضافة لفظ الذات قد ورد في قولهم: استوى على العرش بذاته، وقد تقدم القول فيه من كلام الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله في الرد السابق.

سادسًا: أنت – مرةً أخرى – تخاطب قومًا يضيفون كلمة الذات بلا ضابط، بينما بينتُ في الرد السابق، أن لفظ الذات يضاف في مقابلة الأقوال الباطلة من المخالفين، بألفاظ من دلالة ومعاني النصوص لا تخرج عنها البتة، وانتشر ذلك بين أهل القرون الخيرية كما سبق البيان في الرد السابق، فإن كان اعتراضك على مجرد إضافة لفظ الذات فقد بينت في الرد السابق أنك وصاحب تفسيركم الكبير يستعمله، وأنا – وأنت - نستعمل "بائن من خلقه" رغم عدم ورودها، وإن كان المقصود الاعتراض على إضافة لفظ الذات دون ضابط، فقد سبق أننا لا نضيف إلا في أضيق الحدود وفي وجود أدق الضوابط، والأولى أن يتوجه اعتراضك إلى من يلغي مدلول النصوص إلى المعاني التي لا دليل عليها من كتاب أو سنة أو إجماع أو لغة!

وبهذا يظهر أن قولك (الجواب عليكم أنكم لم تلتزموا بإمرار النصوص كما جاءت) ليس بجوابٍ أصلًا، وأن الأمر على ما سبق، من أننا – إجماعًا - لا نقول في أسماء الله وصفاته بنص ضعيف، وأن النص الصحيح يمر على ظاهره، دون تأويل يفضي إلى تعطيل، أو تكييف يفضي إلى تمثيل، وأن صرف اللفظ إلى معنى آخر يحتمله، لا يكون إلا بشروطٍ نجزم بها أنّ المعنى الآخر هو المراد، ولا نكتفي بمجرد احتمال اللفظ لهذا المعنى لنصرف اللفظ إليه من غير دليل إلا التحكم وتحكيم العقل على النص!

خلاصة الأمر بالنسبة للأصول الخمسة الواردة في الردود السابقة.

بالنسبة للأصل الأول عن الألفاظ من حيث ورودها في الكتاب والسنة والإجماع من عدمه، فقد تبين أن ما أخذته علينا من ألفاظ كتوحيد الصفات وصفات الذات، ليست في ذاتها من البدعة في شيء، ووافقتَ على أنّ ذلك من التنظيم والاستقراء الذي لا اعتراض عليه، ولكنّك رغم ذلك تكرر نفي ألفاظٍ لم ترد في الكتاب ولا السنة ولا كلام أهل الإجماع، ومن خلال هذا النفي للكلمات المحتملة تنفي الصفات، مثل التبعيض والجوارح وغير ذلك من ألفاظ لم ترد.

الأصل الثاني المتعلق بأن بيان المتكلم وفصاحته ونصحه تمنع أن يريد بكلام خلاف حقيقته، وحمله على غير ظاهره وظاهر الكلام هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، وموقفك من تعريف "ظاهر اللفظ" مضطرب، وتعريفك الذي ذكرتَه صراحةً ليس لك فيه سلف ولا عند أهل التأويل الفاسد، وعاقبة الاقتصار عليه إلغاء حاكمية الكتاب والسنة وتحكيم العقول.

الأصل الثالث عن أنّ النصوص تمر كما جاءت، وأنّ الكلام في الصفات كالكلام في الذات، فقد اتهمتنا بأنّ لا نمر النصوص كما جاءت ورددت عليك، وبينت لك ما لم تعلمه من معتقدنا ومذهبنا، ولكنك أنت الذي ترفض أن تمر النصوص كما جاءت، وإن وافقت على هذا الأصل بالكلام، وتذكر تشنيعاتٍ عديدة يكون الرد عليها أنه ليس كمثله شيء وأن الكلام في الصفات كالكلام في الذات.

الأصل الرابع وما في البند الثالث أن الخطاب المجمل قد أحيل بيانه على خطاب آخر، وهذا لا يجوز تأويله إلا بهذا الخطاب الذي يبينه، وليس في كلام الله خطاب مجمل لم يبيّن، وليس في الكتاب والسنة إحالة إلى مبدأ يختلف الناس في تطبيقه، وهذا هو الذي تمهلت في التعقيب على تعليقك عليه، وتوقعت أنك لا تقصد ذلك، وقد كان، وأنتظر تعقيبك عليه من خلال الأسئلة في آخر الرد.

والأصل الخامس وهو أصل المبتدعة في تقديم العقل على النص، وسألتك فيه على فعل الرازي، وقوله بحتمية التأويل بناءً على وهمٍ أن حملة العرش يستلزم من فعلهم احتياج الله لهم، مع أنّ هذا ليس بلازم، كما أنّ نزول الملائكة بالوحي لا يعني احتياج الله لهم، بل الله هو الذي يحمل العرش وحملته، ويحفظ الوحي وحملته، فاستحسنت كلام الرازي، وهو نفى الجهة ونفيها لم يرد في النص، وادعى أن حمل الملائكة يلزم منه الاحتياج وليس بلازم، وبناء على هذين الأمرين اللذين وصل إليهما بعقله لا غير، قال بحتمية التأويل، فكيف يكون تقديم العقل على النص إن لم يكن هكذا؟!

أما الكلام على "مصطلح الصفات" فلم يكن كلامك واضحًا إلا في هذا الرد الرابع، والخلاصة أنّ الله منزه عن وصف الكافرين، وأن المؤمنين يصفون الله عز وجل بما وصف به نفسه، من غير إفراط ولا تفريط، وقد كنتَ قبلَ ذلك تذكر كلماتٍ ليس فيها من الوضوح شيء، فلا تلمني إن فهمت أنك تحاول اللمز في الصفات، وقد بقي الاتفاق على منهج إثبات الصفات لله عز وجل، ونحن في الطريق لذلك بإذن الله تعالى.

العرش والأسئلة المتوجهة إليك والتي أجبتَ فيها بما نجزم به ببطلان مذهبك!

سألتك عن نصّ عن الصحابة يقولون فيه بمثل ما تقول، من أنّ العرش هو مجموع الصفات، أو أن العرش نوعان، أو أنّ "رب العزة كرب العرش"، فما جئتَ بنصٍّ واحد يقول فيه أي واحد من الصحابة ولو في أثر ضعيف يقولون فيه بمثل قولك في معنى العرش، وسألتك عن قول ابن مسعود رضي الله عنه (والله فوق العرش)اهـ، ولمَ لم يقل ابن مسعود "فوق عرش العز" والحاجة داعية لهذا البيان، وابن مسعود رضي الله عنه لم يكن عي اللسان، فكان جوابك (وكلام ابن مسعود يؤول لكلامي، والألفاظ تتشابه)اهـ، وهذا ليس فيه جوابًا لسؤالي عن السبب في عدم ذكر ابن مسعود للفظ "العز"، فإجابتك حيدة عن جواب السؤال لجواب سؤالٍ لم أطرحه أصلًا!

ذكرتَ في معاني العرش غير المخلوق أنه صفة التدبير(1) وصفة العزة(2) ومجموع الصفات (3)، وتوجه تجليات الله(4)، وفيوضات الربوبية والرحمة والملك (5)، وسألتك عن كيفية الجمع بين هذه المعاني المضطربة التي لا يمكن الجمع بينها، فإنّ "عرشه على الماء" لا يمكن أن تؤولها إلا من خلال التأويل الرابع، بينما "يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية" لا يمكن أن تؤولها إلا من خلال المعنى الخامس، في حين أن "استوى على العرش" تؤولها من خلال المعاني الثلاثة الأولى، فما كان ردك على هذا إلا أن أضفتَ معنى لا يحل الإشكال الوارد عليك في شيء، فقلتَ (اسم لصفات الله التنزيهية)اهـ، وهكذا ففوق كونك لا تجد دليلًا يصرح بهذه المعاني، فأنت لا تستقر على معنى واحد للعرش غير المخلوق، بينما لو أنك قلتَ بقولي وفهمت مثل فهمي لأعملت جميع النصوص بمعنى واحدٍ من غير تناقض ولا اضطراب!

وسألتك عن احتمال لسان العرب لحمل العرش على معنى مجموع الصفات التنزيهية، فأجبتني بكلمتين من القاموس المحيط، وقد سبق ذكر قيمة هذا الأسلوب في هذا المقام من البحث، وسألتك عن نصٍّ في الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة أو القرون الخيرية فيه صراحةً أن العرش هو صفة التدبير أو العزة أو مجموع الصفات، فلم تأتني بشيءٍ، وادعيت أن العرب كانوا يعرفون بفطرتهم الجاهلية أن العرش ب

المزيد


ملحق لغوي لرد الاستاذ الرابع على منتدى التوحيد

يونيو 5th, 2010 كتبها فتحي عبدالسلام نشر في , حوار منتدى التوحيد

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة

تبادر المعنى للعارف بالعربية.

فعل واحد وعدة مصادر.

هناك مقام مشروط يتبادر فيه للذهن العربي العارف أن فعل توفى هو الاستيفاء بحيث لا يدع شيئا.

والعارف بالعربية فعلا فعلا، يتبادر لذهنه معنى فعل: توفي، حسب شروط أو سياق أو موضوع الكلام.. فلو كان سياق الكلام هو الإعلان الصباحي في القرى: توفى الله تعالى، فلانا بن فلان، فهو الموت، ولو كان الكلام عن: توفي مخلوق مخلوقا، فقد يكون استيفاء حق أو وديعة، فلم يبق شيء.

ويميز كل معنى عن الآخر مصدر يخصه. 

  فعل توفى مشترك بين عدة مصادر، لها عدة معان،  أولها مصدر التوفي لقبض الروح والإماتة، وثانيها مصدر التوفية لقبض واستيفاء تمام الحقوق أواستيفاء ماحان وقته. وقد نغلط ونستخدم كلا من اللفظين محل الآخر، ومنشأ الغلط عند من ظن أن التوفي هو التوفية كون الناس قد غفلوا عن مراجعة القواميس المطولة، ودرجوا على استعمال مصدر (التوفي) للأمرين،  لقربه من مبنى الفعل، وغفلةً عن لفظ التوفية. ولو أردنا الدقة في التعبير، فلنعلم أن التوفي مصدر أصلي، والتوفية مصدر أفعال مطاوعة.

 

 مصدر توفي الله للناس وهو قبض الروح، والجسد بالتالي في الأرض، هذا معنى،  ومصدر توفية الحق لصاحبه أو توفية الملائكة للناس معنى آخر. وليس بسليم لغويا قولنا: وفيته فتوفي صاحب الشيء أو مستحقه ماهو حقه، توفيا، ولم يدع منه شيئا. بل الصحيح : توفية.

مفهوم أخذ الشيء وقبضه تمامًا كما في قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور :39] وقوله ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر :10]  هو نوع خاص وليس الأصل، وقد ذكره تاج العروس ص 220 مادة وفي،  بقوله مميزا له عن غيره: أوفى (فلانا حقه) إذا (أعطاه وافيا ، كوفـّـاه) توفية، نقله الجوهري. … ، (فاستوفاه ووفاه) أي لم يدع منه شيئا، فهما مطاوعان لأوفاه ووفّـاه ووافاه.

مامعنى مطاوعة؟؟

في المطاوعة يوجد طرفان في الحادثة، طرف بادئ وطرف متقبل.  وفعل المطاوعة عبارة عن فعل استجابة لفعل مؤثر سبقه، وفاعل المطاوعة يكون منفعلا تابعا لفعل المؤثر. مثل : وليته فتولى تولية، الطرف السابق المؤثر ولّى، والطرف المقابل المطاوع تولى وتسلم منه. ومثل: قطعته فانقطع انقطاعا، وربيته فتربى تربية، وزكيته فتزكى تزكية.. ومنه: وفيته فتوفى توفية، أي: وفيته حقه فتوفاه توفية.

وهكذا يتبين لنا أن توفى توفيا هو الإماتة التي هي أخذ الروح، هي النوع الأصلي من أنواع التوفي. وقوله في تاج العروس : ومن المجاز : أدركته الوفاة، أي الموت والمنية .. تفسيره : هنا كلمتان، المجاز في الأولى،وهو معنى الإدراك، لافي الثانية.   
وفي التاج: وتوفي فلان إذا مات. بضم التاء والواو على المبني للمجهول. أي قبض الله روحه.

إذن فعل توفى المبني للمعلوم، عندما ينصب على الناس،  فمعناه = أمات. ومتوفيك = مميتك. ولو قام فاعل وصدق عليه أنه توفى فلانا فلن يكون بحسب اللغة إلا أنه أماته.

والله هو وحده المميت.

خاصة ونحن نعلم أن كل مخلوق  يقوم بإماتة فلان فهو يقتله، وإماتته من طرف غير الله قتل، لاوفاة، (إلا إذا كان يفعل فعل الإماتة مأمورا من الله في الموعد المحدد، وهو مالايعطيه الله إلا للملائكة).  
وبهذا يكون معنى قوله عز وجل ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ﴾ [آل عمران :55] أني عاصمك من القتل ومستوف مدة أجلك في الدنيا وقابض روحك بعد استيفاء عمرك المقضي منذ الأزل.

نكمل من التاج،  تاج العروس: وتوفاه الله عز وجل إذا قبض نفسه، وفي الصحاح: روحه. وقال غيره: توفّي الميت : استيفاء مدته التي وفيت له وعدد أيامه وشهوره وأعوامه في الدنيا.

ولو أردنا أن نرى علاقة جامعة بين المصدرين ورأينا أن استيفاء المدة التي وفيت له هو عملية تلقائية لاتحتاج فاعلا سابقا بل الله يستوفي ماقدمه هو تعالى بنفسه، مما قضى من الأجل، فيمكن ذلك ويكون قبض الروح هو التوفي و التوفية التي وفاها الله أي المدة التي أتمها الله للشخص ووفاها القدر للقدر، فيتوفى الله ماقدمه له قدره تعالى، من المدة المذكورة في الأنعام: ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده، ويكون فعل توفى هنا خاصا بروح ومدد لاعلاقة له مطلقا بأجساد تؤخذ ( إليه )  

  بهذا يظهر سيدي الفاضل أن ما تزعمه حضرتك من فهمٍ أو تفسيرٍ لا يمكن أن يقبله العقل على أنه مفهومٌ من النص القرآني إنما هي تأويلاتٌ تُرتكب لإخضاع القرآن إلى أغراضٍ مخصوصةٍ وإمالته إلى أهواءٍ معينةٍ .  

المهم عندي هو توفي الله للناس لاأي توف آخر. 

اللسان : 

  

وأَوْفَى الرجلَ حقَّه ووَفَّاه إِياه بمعنى: أَكْمَلَه له وأَعطاه وافياً. وفي التنزيل العزيز: ووَجدَ اللهَ عندَه فوفَّاه حسابَه. وتَوَفَّاه هو منه

المزيد


الرد الرابع على الرد الرابع لمنتدى التوحيد

مايو 31st, 2010 كتبها فتحي عبدالسلام نشر في , حوار منتدى التوحيد, لما ألقى موسى عصاه

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . بسم الله الرحمن الرحيم " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له  وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" اللهم صل علي محمد وعلي آل محمد كما صليت علي إبراهيم وعلي آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد .اللهم بارك علي محمد وعلي آل محمد كما باركت علي إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد "

…من  كرامات الصادقين:   فإن تمهيد القرآن يُحرّك الروح إلى عبادة الرحمن، ويحرّك العباد إلى أن ينتجعوا حضرتَه بإمحاض النيّة وإخلاص الجَنان، ويَظهَر عليهم أنه عينُ كل رحمة وينبوعُ جميع أنواع الحنان، ومخصوص باسم الرب والرحمن والرحيم والديّان، فالذين يطّلعون على هذه الصفات فلا يزايلون أهلَها ولو سقطوا في فلوات الممات، بل يسعون إليه ويوطنون لديه بصدق القلب وصحّة النيّات، ويتراكضون إليه خيلَهم ويسعون كالمشوق، ويضطرم فيهم هوى المعشوق، فلا يناقش أهواءٌ أخرى عند غلبة هوى رب العالمين. فثبت أن في تمهيد هذا الدعاء تحريكا عظيما للعابدين، فإن العبد إذا تدبّرَ في صفات جعَلها الله مقدّمة لدعاء الفاتحة، وعلِم أنها مشتملة على صفات كماله ونُعوت جلاله باستيفاء الإحاطة، ومحرّكة لأنواع الشوق والمحبة، وعلِم أن ربّه مبدأٌ لجميع الفيوض، ومنبع لجميع الخيرات، ودافعٌ لجميع الآفات، ومالكٌ لكل أنواع المجازاة، منه يبدأ الخَلق وإليه يرجع كل المخلوقات، وهو منـزه عن العيوب والنقائص والسيئات، ومستجمِع لسائر صفات الكمال وأنواع الحسنات، فلا شك أنه يحسَبه مُنجِحَ جميعِ الحاجات، ومُنجِيًا من سائر الموبقات، فيكابد في ابتغاء مرضاته كلَّ المصائب، ولو قُتل بالسمّ الصائب، ولا يُعجِزه الكروبُ، ولا يدري ما اللغوب، ويجذبه المحبوب، ويعلم أنه هو المطلوب، وييسِّر له استقراءَ المسالك لتطلُّب مرضاة المالك، فيجاهد في سبله ولو صار كالهالك، ولا يخشى هولَ بلاء، وينبري لكل ابتلاء، ولا يبقى له من دون حُبِّه الأذكار، ولا تستهويه الأفكار، وينـزل من مطيّة الأهواء، ليمتطي أفراس الرضاء، ويَضْفِر أَزِمّةَ الابتغاء، ليقطع المسافة النائية لحضرة الكبرياء، ويظلّ أبدًا له مُدانِيًا، ولا يجعل له ثانيا من الأحبّاء، ولا يَعتوِرُ قلبه بين الشركاء، ويقول يا ربّ تسلَّمْ قلبي، وتكفيني لجذبي وجلبي، ولن يُصبِيني حسن الآخرين.

 

 

ما ذكرتموه من الأصل الأول وتناول تعقيبي عليه!

موضوع العرش هو الله :

كررت حضرتك  الإمساك بالحرف علي، حين كنت أقول بالتعبير بقولي : هو هو أي أن تعبير : في ظله، و : في ظل عرشه،  و: لا ظل إلا ظله،  يبين أن تجليات رحمة الله هي ظل العرش،  وهو ظل ليس من حر الشمس وحدها بل من كل نوع من البؤس، والجنة هي دائما في ظل العرش رغم انتهاء يوم الحساب، وبداية عهود الخلود. وهي الكلمة المعبر عنها بأنها ظل الله يوم لا ظل إلا ظله،  أي انعكاس صفات رحمة الله التي تسمى ظل الله،    فلا تمسك لي على الحرف ذريعة للوم، ولا تستكثر من ذلك. ولا تدّع علي أنني ألمز الصفات، ولا تبحث لي عن تهم، ولا تتحدث عن الاستتابات فهذا ليس من شيم العلماء الأجلاء. 

رد على موضوع القائلين بصفات الذات وقولك بإحكام بلا إسراف:

لا اعتراض على التقسيم والتنظيم والتعليم، ولكن بشرط ألا تستقرأ  نصوص الشرع بما يؤدي لخطأ عقيدي مثل حشد نصوص متشابهة مع الجوارح المخلوقة  وترتيبها مع شرح هيئات فلكية عن الكرسي والأقدام مما يخرج الموضوع عن كونه استقراء ليكون عنفا يضطر عقل المتعلم إلى أضيق الطريق وأشده عوجا. 

هم يسرفون عندما يرتبون صفات الذات كما يرونها مجتمعة، ويعلمونها  في فصل دراسي، مما يرغم فكر الطالب على تشرب فكرة رسم ملامح الذات الإلهية، وتصور أن هذا هو  معرفة وصف الذات،  ولكن بطريقة فخمة شفافة هائلة الحجم..

كل شيء هالك إلا وجهه ، أي إلا هو، وأخذ النصوص بحرفية سطحية ينتج عنه أن كل شيء هالك حتى ذات الله إلا وجهه، والله جعل الحجر الأسود بمثابة يمينه في الأرض، وأثبت الله كماله ووجوده بكل ما جاء في وحيه، ولكن القائلين بالقدمين من المدرسين لمناهج : صفات الذات،  لم يحكموا،  لأن نقد المتن مهم، ومحال أن يكون للذات قدمان،  وإلا بررنا لمن يقول : يمشي بهما ويهرول بهما، جريا على طريقة القاضي أبي يعلي بأن لله عينين (يرى بهما)، والباء للاستعانة، كما لا يخفى، وحاشا لله أن يستعين بشيء ليرى.. ومن العجيب أن كثيرا منهم يلجأون لتأويل حديث الهرولة  ولا يؤلون آية الأعين..  ولذلك يجب عليهم نقد نص :  أن  الكرسي موضع  للقدمين،  والله تعالى متقدس سبحانه عن ( المواضع) أوأن يكون له جوارح تشعر بالتبعيض، ومن ذلك قولهم بالقدمين ولهما موضع، وقولهم بالكرسي الحسي الذي هو موضع لقدمي الله تعالى الله وحاشاه، وقولهم أن الكرسي الحسي ذو حجم محدود وهو مشمول داخل فضاء العرش العظيم، وبالتالي فهو داخل الكون المخلوق، وكون القدمين متموضعتين على الكرسي فهو تصور يدفع فهوم السامعين من المتخرجين في مدرسة الدعاة إلى ركن ضيق، ويتصورون إن شيئا من ذات الله صار داخل الوجود،  وقولهم بالساق، يجعل هؤلاء السامعين يتصورون رغم أنوفهم امتدادا من القدمين للساق، ثم بقية الذات خارج الكون على العرش..  رغم وجود روايات عديدة عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم أن الساق هي الشدة والهول، ورغم إطباق القواميس على أن الكشف عن ساق هو مفاجآت الله بالشدة والهول الذي ادخره الله للضالين،   وعدم إحكامهم جاء  كما يقول ابن الجوزي رحمه الله في دفع شبه التشبيه: ثم لم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم الأحاديث جملة، وإنما كان يذكر الكلمة في الأحيان، فقد غلط من ألفها أبوابا على ترتيب صورة غلطا قبيحا، ثم هي مجموعها يسيرة والصحيح منها يسير، ثم هو عربي وله التجوز .أهـ

     

الأصل الثاني وتناول تعقيبي!


 لقد بينت لكم الظاهر والسياق من آية الكرسي بما يدعم صحة رواية ابن عباس رضي الله عنهما،  وبما يجزم  أن الكرسي هو صفة العلم الرباني، والذي سميت أعظم آية في القرآن باسمه، لأن أسماء العلم وأسماء الرحمة هي الأغلب نسبة  أو ذكرا في كلام الله، وصفات العلم هي الأكثر ذكرا من صفات الرحمة.

وسؤالك عن من يختلف مع أخيه في حكم وفي تصوره عن ظاهر النص وسياقه، فالجواب هو:  فليجلس معه وليحاوره ويبين له من النصوص المجموعة ما لم يجمع أخوه، ومن دلائل القرآن على التنزيه ما لم يدرك أخوه، ومن روائع ترابط السياق مما ركز هو عليه ولم يستجمع لبحثه أخوه، وإن يريدا إصلاحا هما الاثنان، وفق الله بينهما وأراهما، فإن لله تعالى في هذا الأمر القضاء والهداية. وليس في هذا إبطال لشيء من التحاكم للكتاب والسنن.

إننا لم نلغ شيئا من آثار الصحابة، إلا ماظهر شذوذه واعتلاله، وآثار الصحابة فيها الصحيح والموضوع، ويجب نقدها عندما تتعارض مع الثوابت الإسلامية،  كما هو الحال في رواية أبي هريرة أن كل مولود يمسه الشيطان وهو يولد إلا عيسى بن مريم، ثم لا ينبغي فهم آثار الصحابة الصحيحة أيضا بطريقة حرفية ونقول بعدها ( هو هكذا) ونحن نعلم أنهم عرب يتكلمون بمجاز العرب ويروي عنهم الراوون بالمعنى كثيرا بما يتعارض مع اللائق بالله.

وخوفك على ما سيبقى بعد هذا لا مبرر له، وسيبقى الكثير بعد هذا بحمد الله ولقد بقي كل شيء وأتم الله النعمة وعلم الإنسان ما لم يكن يعلم.

الأصل الثالث:
 قلت لك فيه :لا خلاف، وتصر أنت على وجود الخلاف هنا، وأحاول بكل الجهد العثور على نقاط اتفاق وهي كثيرة،  لكنك تجاهد في تبيان الاختلاف، وأقول لك أن صريح العقل فعلا هو ظاهر النص، ويلزمنا الحوار ليشرح كل منا للآخر وجه الالتباس عن أخيه ليتبين سر التباعد، وليظهر الظاهر الفعلي، لا الظاهر كلاما.

الأصل الرابع وتعقيبي عليه!

 في البند الثالث أنت قد قلت فيه جملتين:

 جملة  1 ـ الثالث: الخطاب بالمجمل الذي أُحيل بيانه على خطاب آخر، فهذا أيضًا لا يجوز تأويله إلا بالخطاب الذي يبينه، وقد يكون بيانه معه، وقد يكون بيانه منفصلًا عنه.
 جملة 2 ـ  والمقصود أن الكلام الذي هو عرضة التأويل أن يكون له عدة معان، وليس معه ما يبين مراد المتكلم، فهذا التأويل فيه مجال واسع، وليس في كلام الله ورسوله منه شيء من الجمل المركبة.

ربما لم أفهم جملة 2، ما المقصود وما المجال الواسع،  وقد فهمت الجملة الأخيرة: وليس في كلام الله… الخ،  أنها تتكلم عن الجملة 1،  من خطاب مجمل يحال إلى خطاب آخر، وعندي  أن القرآن يكثر من سؤاله أفلا تعقلون، ويحيل للسان العربي أنه تنزل به كلام الله، ويحيل إلى مبدأ تنزيهه عما يصفون، لبداهة استحالة لصوق ما لا يليق به تعالى، فعذرا لو لم أسألك توضيحا للعبارة وعذرا للخطأ لو كنت أخطأت فهمها.  

أصل المبتدعة وتعقيبي عليه.


 تسألني عن كلام الرازي (فلو كان الإله في العرش للزم الملائكة أن يكونوا حاملين لله تعالى وذلك محال، لأنه يقتضي احتياج الله إليهم، وأن يكونوا أعظم قدرة من الله تعالى وكل ذلك كفر صريح، فعلمنا أنه لا بد فيه من التأويل)، وقوله (لما دلت الدلائل على امتناع كونه في المكان والجهة ثبت أنه لا بد من التأويل)؟! وتقول: أليس هذا من القول بحتمية التأويل بناءً على أمورٍ ليست من الدين وإنما هي من الوهم؟!  والجواب أن الرازي في هذا المقام عندما رأى أحدا يجعل الوهم من الدين فيقول أن تأويل النص ليس هكذا، فإنه في النهاية يقصد أنه لا يفهم هكذا، وما التأويل سوى حسن الفهم،  ولم يرتكب خطأ فيما أرى.
 الصفات والعرش:
حديث سجود الشمس .. موافقة أم مفارقة!
 لم لم تقل حضرتك بظاهر النص حسب مفهوم الظاهر المتداول ؟؟ ولم لم تقل أن جسم الشمس المحسوس يذهب متحركا منتقلا قاطعا المسافات،  صاعدا يعرج في الكون كي يسجد تحت سرير العرش المحسوس،  تنتظر الإذن. (وتقول هو هكذا الأمر يجب أن يفهم)، بل قلتم : بدوام الخضوع تحت العرش. فأولتم حركة منصوصا عليها ذهابا وإيابا بأنها تعبير عن شأن دائم من الطاعة، وأرى هذا اتفاقا معي قاطعا لاشك فيه. 

رأيك في مخالفتي لما سبق ووافقتك عليه:
  الجواب عليكم أنكم لم تلتزموا بإمرار النصوص كما  جاءت بل قلتم أن الناس أحدثوا إنكارات فأحدثنا إثباتات الصفات،  ولكن كما ترون فقد تبين أن في الإثباتات أخطاء، وأرى أن الوهم الذي يقوم في ذهن العوام إنما جاء من قبل تبسيط الأمر لهم، وكسل المدرسين وضعف تحصيلهم، وإيثارهم مع الناس تطمينهم على كسلهم تجاه القرآن وأنهم مع أنهم أغمار جديرون بفهم الأشياء العليا في القرآن كأسرار استواء الله على العرش،  فهذا أدعى للراحة من مشقات الفهم، والمجاهدة في الله لنيل الهدى، ويتخرج الدعاة الآن بالجملة من طريقة خطأ في ترتيب تدريس نصوص تتعلق بالصفات، مع إضافة صفات للذات ليست صفات،  ويزول الوهم بإعادة طرق التعليم،  ومن واجب العالم أن يبين لهم لا أن يحرّف النصوص كما قلت، وأن يعلمهم التأويل الحق كما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحبه، وهو التفسير الصحيح نظرا لكل عوامله من تقوى وجمع للنصوص، وصحة استنباط موازين الفهم المحكمة،  ولسان عربي له طبيعة بليغة، وكون محيط بنا أحال القرآن إليه لنعقل.
 

إضافة لفظ الذات!

يجب تنزيه الذات عما لا يليق، وتضاف كلمة الذات لما يليق بالذات، فحرفا( أل) في الحمد لله تبين الشمول والسمو والكمال، كما أن أل في قوله تعالى : ذلك الكتاب، تشير إلى كماله الجامع وعظمته الذاتية. والحمد لله بكل معاني أاـ يتنافى مع أقدام توضع على كرسي، كرسي هو جزء حدود في فضاء كوني شاسع يضمه العرش ، قدم توضع في نيران لتحد من شراهتها.  

وسؤال لحضرتك : لم لم تعلق عند تطبيقي للأصول على موضوع وضع القدم في جهنم، والنسب الحجمية التي سيعلق عليها أعداء الإسلام ويظهرون فيها للسذج من قومهم أننا مجسمة، ويرفض الكثير تفسير ابن الجوزي للنص أنهم مقدموا الكافرين، من أعاظم أهل النار الذين يتأخرون في دخول جهنم بعد إتمامهم الزج بأقوامهم في النار، وتتغيظ النار عليهم حتى يضعهم الله فيها فتكتفي، وهذا مثال من وجوب استعمال كلمات اللسان بضوابط، فلايقال يضع الله تعالى وتقدس قدم ذاته في النار فينزوي بعضها على بعض،  لتنزه الذات عن الأقدام. 

هل كلمة الذات تضاف بلا ضابط؟؟ هل قال أحد من الصحابة أننا سننظر لذات الله تعالى؟؟؟ أليس في النصوص أن الله لو كشف الحجب لاحترق الوجود؟؟؟ 

ومازلنا مع "مصطلح" الصفات:

لا أنفي صفة ولكن لا أرى أبدا لذات الله أقداما وساقا وحقوا، وتساق النصوص وتترك هكذا للعامي والغمر دون تأويل ينزه الله، وأرى يا أخي العالم أن الله قريب من كل شيء خلقه تعالى بنفس الدرجة، فليس الله قريبا من السماء السابعة  أكثر من قربه من الأرض، كيف؟؟ لاأدري، ولكن كل من وكل ما خلقه الله فهو على نفس درجة القرب منه القريب،  ولا أقول هم على نفس المسافة، فلا اعتبار لكلمة المسافة في مفهوم قرب الله من خلقه.

كما أن الله في السماء، اللائقة به، لأن أل هنا = هي الأليق به،  وبصرف النظر عن خلق السماء، وهو فوق خلقه حتى دون خلقهم.

ولقد قال الله تعالى عن إدريس : ورفعناه مكانا عليا، ورغم ذلك اللفظ : (مكانا)  يتفق الجميع أنه رفعه بروحه ودرجته. والله بلا شك يقصد:  أنه (رفعه إليه) فلماذا عيسى عليه السلام ليس كذلك؟؟ .

إذن فالنصوص تفهم برحابة أفق،  ولا نفي عندي للصفات فلنسترح من هذه التهمة للأبد، ولكننا نسعى لإصلاح الكلام في الصفات، وتعليم الناس أن الله لم يقصد أبدا بقوله: بل رفعه الله إليه أنه يشد جسد نبي بالجسم من الأرض ناحية فوق،  حيث يشير الأصبع،  ليكون حيا هناك وأقرب جسما إلى ذاته سبحانه فتقل المسافة بينه وبين الله. 

تحت عنوانكم : هذا .. ما اسمه؟!

ردا هنا على:  سؤال جوابه نعم أو لا : هل تقول إن القرآن الكريم نزل بألفاظٍ يتبادر إلى ذهن العربي عند سماعها معانٍ غير صحيحة؟!
فأقول: لا.

بل الــــ (عربي ) الحقيقي  يتبادر لذهنه المعنى الصحيح.

ثم أستميحكم فرصة إيضاح : أن "العربي" ليست هنا كلمة مبسطة، بل متسعة المعاني، فالعربي الصحيح يتبادر لذهنه عرش العزة فور سماعه سؤالا: من رب العرش العظيم؟؟؟

ثم إن شيمة تحديد الطلب بنعم ولا ليست من شيم وأريحية البحث، بل هي وسائل وكلاء النيابات الذين يبحثون في استجوابهم عن توريط وعن تهمة.  

تحت عنوان قولك : تعود إلى "معاني" العرش دون أن ترد على أسئلتي في الرد السابق: سألتم وأجيب:
-
آلعرش هو صفة التدبير أم صفة العزة أم مجموع الصفات أم هو أنواع أم هو توجه تجليات الله أم هو فيوضات الربوبية والرحمة والملك أم هو هو الله ذاته؟!

الجواب، هناك عرش مخلوق هو انعكاس العرش الذي استوى الله عليه؟  والعرش الذي استوى الله عليه  هو اسم لصفات الله التنزيهية التي ينفرد بها الله جل جلاله، وهي الواردة في سورة الإخلاص، وهو بلا شك عرش العز الأعز، وتنكشف هذه الصفات التنزيهية من خلال الصفات الأربع الواردة في سورة الفاتحة تتجلى على الخلق فيكون، وتقوم مقام القوائم للعرش الرباني، التي يحمل فيوضها الملائكة لمن دونهم،  كحمل الناس للأمانة لاحمل سرير مادي، ونحن لاندرك عظمة الصفات الواردة في الإخلاص إلا بفضل الصفات المتجلية الواردة في الفاتحة حين نتأمل تفاصيل الخلق والرحمانيات المنبثة فيه وفي تاريخ الرسل والصالحين  وسطوة المالكية .. وهم الآن أربعة رؤساء ملائكة،  وينضم لهم أربعة آخرون لمزيد الفيض يوم القيامة. فيكون الجملة ثمانية.   
-
سؤالكم :  لم اضطررتَ نفسك إلى ذلك؟! وما يضرك إن أخذت اللفظ على ظاهره، فقلتَ إن العرش كما هو المعنى المتبادر للأذهان، وأن الله تعالى مستوٍ عليه، بائنٌ من خلقه، غنيٌّ عن العرش وحملته؟! ما يضرك وما يضرنا من هذه العقيدة الصافية التي لم ينقل خلافها عن الصحابة؟

الجواب: قولك السابق صحيح ولم أنكره. غير أن المتبادر للأذهان يختلف، وذلك حسب فراغ الوعي لله، وصحة التركيز في فقه كلام معنون عنه أنه هو كلام الله، وصحة اللسان وصحة الفطرة وصحة  العلاقة مع الله.  


-
سؤالكم  إنك تنطلق من هذا الذي ذكرتَه، فتنظر في قول مجاهد (استوى : علا على العرش.)، فتقول ( فالله علا على عرش العزة)، فهل كان مجاهد رحمه الله عيّ اللسان لا يستطيع الإبانة فيقول بمثل قولك "علا على عرش العزة"
-
ثم تنطلق منه كذلك، فتنظر في قول ابن مسعود رضي الله عنه (والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم) ، فتقول (فهو يقصد أنه على عرش العزة يحكم الخلق ويدبر الأمر)، فهل كان ابن مسعود رضي الله عنه عيّ اللسان لا يستطيع الإبانة فيقول بمثل قولك (والله فوق عرش العزة) والفرق بين قولكما كلمة "العزة"؟؟! فلمَ لم يذكرها ابن مسعود والحاجة داعيةً إليها؟؟! لم لَم يذكرها فإن ظاهر الكلام يجعلنا نقول بمعنى العرش المتبادر للأذهان؟؟!

الجواب على النقطتين: الله فوق العرش المخلوق وعليه وفوق كل مخلوق لا يخفى عليه عملنا، والله مستو على عرش العز لا يخفى عليه شيء،  وكلام ابن مسعود يؤول لكلامي، والألفاظ تتشابه، ولو كان ابن مسعود معنا الآن ورأى الحوار فسيقف بجانبي بشكل أكثر من وقوفه بجانبك.  والله على ما أقول شهيد، وهو ربي يعرف سري وعلني وهو يفصل بين المختلفين يوم العرض.

لقد قال الله تعالى وتقدس ما قال، ورغم ذلك يحدث الفهم الخطأ،  والرسول صلى الله عليه وسلم قال ما قال ورغم ذلك أضيف لقوله أو فهم خطأ، وروي عنه الصحابة فروى الناس عنهم بالمعاني التي رويت بدورها بالمعاني. وليس ابن مسعود وغيره استثناء.


-
سؤالكم :  هل هناك نصّ في الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة أو القرون الخيرية، هل هناك نصّ فيه صراحة أن العرش هو صفة التدبير أو العزة أو مجموع الصفات؟!

الجواب : العرش بمعنى العز هو عرش يمكن الاستدلال بالفطرة على معناه، والسماع من الوحي يفصله.. والوحي بمعنى السرير يقتصر الإيمان به على السماع من الوحي. ولقد تحدث الله في القرآن عن عرش يمكن الاستدلال عليه، الصحابة جاءوا من الشعب العربي، والله قال لهم في سورة المؤمنون مستفهما عن فهمهم الفطري:  قل من رب السماوات السبع ورب  العرش العظيم؟؟ سيقولون لله . فهل أجابو بسرعة عن عرش عرف من السماع؟؟

الربوبية واضحة للمخلوق، ولكن رب العرش مشتركة المعنى،  فلو كان المسئول عنه عرشا سماعيا (السرير) لما أمكنهم القطع بالإجابة، فثبت قطعا من الآية أن المقصود عرش هو صفة، الله ربها،  وتليق بالله في الفطرة، ويجيب عنه البشر بسرعة: لله، مساوين له بربوبية الخلق.

 لايمكن للصحابة  فهم العرش الذي تسجد تحته الشمس غير عرش عزته وسلطانه تعالى.

 ولا يمكن للصحابة نسبة حقو للرحمان تعالى تتعلق به الرحم إلا أن يكون تعلقا بالرحمانية ، وحضرتك لم تبين لي فهمك لهذا النص، فهل تنسب للذات حقوا ؟؟؟ والحقو معقد الإزار.  
-
سؤالكم: إنك تميّز بين نوعين من العرش، الأول (العرش الحق وهو صفات الله وتجلياتها على الخلق) والثاني هو (العرش الظلي، الذي تتجلى فيه رحمات الرحمان)، وهذا الثاني هو (عرش الله الجلالي الذي هو ظل للعرش الكريم من صفات الله)، فما دليل هذه القسمة؟! وما أصل هذا التفريق؟؟ ما الدليل من كتاب أو سنة أو لغة الذي استندت إليه في التفريق بين العرش المذكور في ساحة العرض والعرش في سائر النصوص، من كتابٍ أو سنةٍ أو إجماع وفقك الله؟!

 الجواب : ذكرت لكم استخدام ذو مع الصفة، وبينت أن الرواية الأليق بالكرسي هي العلم، ومن ثم تكون النسب المذكورة بين الكرسي والعرش نسبة تقرب عظمة صفات، وبينت من الكتاب أن( أل ) تضاف للشأن الأعلى، والأليق  باستواء الذات هو العرش الأعلى وهو عرش العز. وتبقى لله ربوبية العز وربوبية العرش الذي هو سقف الجنة. الثابت وجوده من النصوص أيضا.

 
سؤالكم - ماذا عن احتمال لسان العرب لهذه المعاني؟! ولا يكتفى هاهنا بنقل كلمتين من القاموس المحيط لتقوم بذلك حجة، بل الاحتجاج باللغة في مثل هذا الموضع له أصوله التي لا ينبغي أن تكون خافيةً على مثلك وفقك الله، فهل هناك في كلام العرب وجه لحمل معنى العرش على صفة التدبير وصفة العزة ومجموع الصفات بل على الذات الإلهية؟!
الجواب : العرش السرير والعز، عندما تقترن الكلمة بالله  يقضي لسان العرب أن العرش لابد وأنه عرش العز، ودليل ذلك أن الله عندما يسأل : قل من رب السموات السبع ورب العرش؟؟؟ يسأل من لاثروة له غير لسانه وعقله، فيجيب: لله .  فإذا جاء السمع بعرش مخلوق صارت إليه العقيدة وخدمتها اللغة أن الله ربه. ورب العزة أيضا.

وأضيف سؤالا : قولك (والفوقية ثابتة قبل أي عرش وبعده) هل هذا يشمل العرش الذي هو "مجموع صفات الكمال" عندك، أم أن هذه "لغة البشر للتفهم"؟!
الجواب : الفوقية هنا هي فوقية الله على المخلوقات من عرش وغيره.

ما زدتَه في "الاستدلال" على معنى العرش

موضوع دلالة : ذو العرش !


ترد علي أيها العالم  بأن هذا الكلام قد يصح لو كان 1 ـ يستحيل في اللغة أن تضاف "ذو" إلى مخلوق، 2 ـ أو أن يكون العرش مخلوقًا، ولكنّ العكس هو الصحيح، وأنت نفسك تقول بـ "صحة احتمال وجود عرش مخلوق والله ربه".

والجواب أن ذو تضاف لمخلوق عند الكلام عن المخلوق، وهي تضاف مرة لصفات المخلوق ذاته، ومرة لممتلكاته. فهي إضافة حتمية هنا للمخلوق، فكل ماعدا الله فهو مخلوق، وكل متعلقات المخلوق مخلوقة، فالمخلوق سيكون لامحالة ذا (مخلوق)، الرجل ذو مال وذو أنفة وذو فضل وذو مشاغل.. ولكن اطرد استعمال ذو في القرآن عن الله خاصة لصفاته، أو لممتلكاته من الكمالات، لالممتلكاته المخلوقة.

والردعلى ماورد بنقطتك هنا ( ثانيا) : أن الله لما كان قد استوى على عرش العز والكمال، وكان له عرش خلقه وهو سقف للجنة وهو ربه، وهو فوق كل ماخلق سبحانه، بأعلى معاني الفوقية، وكان الله قد استعمل رب العرش للمخلوق وللصفة،  فأراد برحمته فصل معنى العرش الصفة عن العرش المخلوق باستعمال لفظ : ذو..

وقلت:
ثالثًا: أنت أسأت فهم كلامي أو أسأت تطبيقه، فإن قولي في القسم الثاني من الألفاظ من حيث قبول التأويل من عدمه (ما هو ظاهرٌ في مراد المتكلم وإن احتمل أن يريد غيره، فهذا يُنظر في وروده، فإن اطرد استعماله على وجه استحال تأويله بما يخالف ظاهره، لأن التأويل إنما يكون لموضعٍ جاء خارجًا عن نظائره، فيؤول حتى يرد إلى نظائره، وهذا هو المعقول في الأذهان وفي الفطر وعند كافة العقلاء)، فالكلام هنا عن استعمال اللفظ، لا عمّا أضيف إليه اللفظ، وشتان بينهما عند العربيّ!

 والجواب

أن معنى كلمة العرش كصفة تحددت من استعماله مع كلمة ذو. كلمة العرش لاتأتي في صحراء، بل في جمل.. فتبين لنا استعمالها على أنها صفة للرحمان، واطرد استعمال كلمة العرش مع ذو دائما كصفة فيصار إليه، والكلمات تتنزل في كلام الله أجزاء من جمل..  مقدمات السور بالحروف المقطعة لها وضع خاص، واطراد استعمال الألفاظ هو اطراد معانيها في علاقتها بما حولها من الكلمات.  

عنوانكم : قولك بعرش مخلوق !!
تقول (صحة احتمال وجود عرش مخلوق والله ربه، فيكون الله رب العرش ذا الظل يوم القيامة .. هناك عروش منها عرش ذو ظل ، وهو ظل الجمال والكمال الإلهي أو انعكاس للعرش الرباني ومرآة لأنواره، وهو كما ذكرنا من المخلوقات، هو عرش سمي بالاسم تشريفا. وهو عرش اهتز لموت عبد صالح، ويحمله ملائكة ثمانية تذكرة بحملة فيوض الله للخلق، وتحف به ملائكة مؤمنة بالله مسبحة.)اهـ.

فما يضرك أن تجعل هذا هو معنى العرش في سائر النصوص كما أفعل؟! وما يضرك أن تقول إن الله علا فوق عرشه كما تقول إنه سبحانه علا فوق سبع سماوات؟؟ وما يضرك أن تقول إن العرش فوق السماوات السبع؟!

ثم ما دليلك على التفريق بين العرش تارة وتارة، فإن وجدته "يهتز" لموت عبدٍ صالح جعلته مخلوقًا، وإن وجدته "على الماء" جعلته صفةً!؟!

الجواب السياق يوضح عن أي عرش يتحدث النص. كما يوضح السياق عن أي رحمة في الآية، أهي رحمة صفة الله، مثل ( وربك الغفور ذو الرحمة)  أم رحمة مخلوقة.

والله استوى على العرش اللائق بذاته، وهو عرش الصفات المذكورة في سورة قل هو الله أحد، وهو رب عرش العزة والتجليات، وهو كذلك رب كل المخلوقات ومنها نفس العرش الذي يظلل الجنة.. وكما أن الله على صراط مستقيم، والله هو الهادي للصراط المستقيم، وهو صفات الحق والفعل الجميل الصالح الطيب، ولكن هناك صراط ظلي يضرب بين ظهراني جهنم، والمرور عليه هو مرآة لصراط الناس السلوكي. وقد يكتب كاتب كتابا يسميه الصراط المستقيم. وكما هناك بيت معمور في السماء كذلك هناك بيت معمور ظلي وضع للناس ببكة، ليكون الناس حوله مقلدين للملائكة الطائفين بالبيت المعمور.

والله فوق كل خلق من حيث المبدأ. 

 

اعتراضكم بعنوان : الكرسي وطلبكم أدلة!
الجواب من الكتاب فقد سقت سياق آية الكرسي، واستشهدت من السنة  وفهم الصحابيّ برواية كرسيه علمه ورواية أبي ذر، واستحالة صحة وجود قدمين لله، تساقان في إطار ساق وحقو وجارحة يد  وقبضة وجارحة عين، وبينت لكم المحاذير وضرر الإسلام من هذه التصورات، ووفقت لك النصوص مع حديثه صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر! ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة!)، والسماوات السبع المخلوقة هما يراد منها علمها، وحذف المعلوم جائزكما لو قلت: زيد،  بعد: من عندكما، والنسبة هي نسبة علمهما مع الكرسي الذي هو علم الله؟! والله واسع وتفهم السعة حسب السياق، فهو يسع كل شيء علما أو رحمة أو حكمة أو هو الواسع غنى.
لو كان الكرسي جرما فلكيا لقال الله : وسع كرسيه السماوات والأرض ولايؤوده حفظهم، باعتبار الكرسي  محتاجا للحفظ، إلا أن الله تعالى ذكرهما للحفظ، وهوان علم السماوات والأرض بالنسبة لعلم الرحمان هو سبب معقول ليسر حفظهما، فعسر السيطرة يأتي أولا من غياب المعلومات،  وشرحكم البديل لآية الكرسي العظيمة شرح بالغ الضعف لايحيي نفسا.

 

موضوع نجاة عيسى وموته العادي بعد ذلك

قلنا في الأصل الثاني :  أن القرآن مبين، والسنة كذلك، كلاهما يهدي للتي هي أقوم، ولذا فالواجب إجراء النصوص الواردة على ظاهرها، إذ جاءت بأوضح وأبلغ وأبين لفظ، وكمالُ علم المتكلم وفصاحته ونصحه يمنع أن يريدَ بكلامه خلافَ حقيقته، وتيسير القرآن للذكر ينافي حمله على غير ظاهره، وظاهر الكلام هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع، وقد يكون بسياق الكلام.
فلنطبق هذا الكلام على سورتين هما: الأنبياء والمؤمنون.   لعلنا نفهم منهما مصير عيسى عليه السلام مرتبطا مع مصير أمه عليها السلام،  من واقع ظاهر الكلام الحقيقي الذي يسبق منه أويتبادر إلى العقل السليم السليم، بالوضع أو بالسياق. 
المؤمنون:

نوح عليه السلام دعا إلى الله وكذبوه وهددوه وأنجاه الله وهلك الكافرون، ولم ينجه الله بحركة فرار، بل مكنه الله في الأرض ليعبد الله.  فالله أنزل السورة ليقول للمؤمنين أن لكم النصر والعز، ومن بعده الرسل تترى على نفس المنوال، ثم قص الله قصة موسى وهارون على نفس النسق، فكذبوهما فكانوا من المهلكين، وبعدها آتى الله موسى الكتاب لعلهم يهتدون، حينئذ يكون السياق الرائع والدور نفسه قد جاء إلى عيسى عليه السلام وأمه. لماذا وأمه؟؟ لأنها شريكة في القضية منغمسة في تفاصيلها وقد عانت كل محنها، ولايناسب روعة السياق أن يترك بيان مآل أمرها، فامرأة مثل هذه في دعوة كهذه لابد من التركيز وتوضيح مصيرها بكل عز وقوة، والمحذوف البليغ هو: ودعا عيسى إلى الله وكذبوه واتهموا أمه، ثم بدأ المكر كما حدث مع موسى، وبالعقل السليم:  فمن يبدأ المكر بعيسى فسوف يثني بمريم، إذن لابد لهما من مصير متحد للنجاة وأن يمكر الله لهما معا،  ونجى الله الاثنين، حسب السياق المحتوم للسورة، وأما من أرادوا بهما شرا فلاشك أنهم كانوا من المهلكين بنوع من أشد ألوان الهلاك. وفي هذا السياق فلا معنى لقوله تعالى : وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين، يرجح معنى أن الله تعالى قد صنع معهما أعجوبة ونجى رسوله وأمه معا بطريقته العجيبة، وذهبا يعبدان الله ويدعوان إلى الله، تحت ظل قول الله : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا.. فقوله:  إلى ربوة ذات قرار ومعين، ولاإيواء في لغة القرآن إلا بعد شدة وبلاء، يؤكد أن كشمير كانت إذن فعلا مهجره، كما هو دأب السياق في السورة. والمكان لابد أن يكون أرضا لبني إسرائيل أيضا، لأنه رسولهم جميعا ولافكاك له من دعوتهم.

وفي هذه السورة بدأ الله بذكر عيسى عليه السلام ( وجعلنا ابن مريم وأمه آية)  ونلاحظ الجمال في النهاية بعد قول الله : يأيها الرسل كلوا .. أنه قال : وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون،  فتقطعوا أمرهم بينهم.     

نفس السياق في الأنبياء.

الأنبياء

ما أجمل كلام الله وهو يتقدم من توكيد بشرى العز والنصر لرسوله صلى الله عليه وسلم، ويشفع بيان الأمر بالتقدم رويدا من أول قصة إبراهيم، حيث يوضح الله تعالى أنه رب مواجهة ويعرف كيف يسل حبيبه من يد العدو سل الشعرة من العجين، ويدعهم محسورين خاسرين،  حيث نجا (من النار) بعد القبض عليه، صلى الله عليه وسلم ثم هاجر وبورك له ودعا؟ ولوط  عليه السلام أيضا كان له النجاة والهجرة ليذهب ليعبد في أرض الله،  ونوح
صلى الله عليه وسلم  كذلك دعا الله ونجاه ونصره (من القوم)  وكانوا في سنة الإنقاذ من المحنة أمة واحدة . وفي محنة الحكم وتمرد الناس وصعوبة السيطرة أنقذ الله داود وسليمان عليهما السلام  بالعلم والحكمة والفهم الخاص، وفي محنة المرض نجا أيوب بالدعاء، ووهبه الله نعمة يستأنف فيها الحياة والدعوة،  ثم كان الله مع إسماعيل واليسع وذىالكفل. وفي محنة السقوط في فك الحوت نجى الله يونس لما سبح التهليل ودعا، ونجا (من الغم) إلى حيث يدعو ويعبد الله،  وزكريا في محنة العقم وانقطاع الوارث لعلمه،  ووهبه الله نجاة من المحنة، على الجميع السلام، وهنا جاء الدور على مريم وعيسى عليه السلام، فهل الظاهر والسياق سوى أنهما وقعا في المحنة، واستغرقا في الدعاء رغبا ورهبا، هو وأمه معه، وبدأ الله تعالى هنا بذكرها أولا ( والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين) ففيم كانت الآية في هذا السياق غير النجاة من محنة التآمر ونيات القتل المبيتة لهما الواحد بعد الآخر،  والنجاة كانت إلى حيث السعة والعبادة . وانظر كيف ختم الله القصتين بنفس التاج الرائع : ففي الأنبياء بعد ذلك قال الله الجميل الكامل: إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، وتقطعوا أمرهم بينهم. رنين تتجاوب به السورتان لتبينا أنهما يتحدثان عن آية نجاة مريم وابنها معا إلى حيث يعبدان، وتلاحظ أن كثيرا علماء المسلمين لايكاد يعنيهم مصير مريم في شيء، ولايتتبعون مصيرها، مع أن كل تدبر سيستبعد أن يتركها اليهود آمنة، فلم لم يبحثوا الأمر  وكيف نجت؟؟؟ ولوحتى في نطاق تصورهم بعد صعود ابنها في هدوء، ولابد لها من قصة كبيرة، والقرآن في السورتين بحمد الله يغطي هذه الفجوة التاريخية. 

إن من الصعب على العقل المسلم الآن أن يتجاهل سورة الإسراء وسبي بني إسرائيل بأسباطهم الاثني عشر، وتقطيعهم أمما، أو أن يتجاهل الكرة لما عادوا قبيلتين فقط، وفيهما بعث المسيح أولا عليه السلام، أو أن يتجاهل أن عشر قبائل ظلت تعيش بعيدا ولها حق قرآني في أن عيسى كان رسولا إلى بني إسرائيل، أي جميعا،  ترجيحا لمبدأ جدية التعبير القرآني.  فكيف نغض الطرف عن كل هذا ولانربطه بسورتي المؤمنون والأنبياء، ونسخر ممن يذكرنا الله والتاريخ ونلوح له بالاستتابة؟؟؟!!! أستغفر الله وأتوب إليه. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وهكذا نحسم مسألة نفي رفع جسد المسيح عيسى عليه السلام بردي على ما ذكرتَه مقابل ما ذكرته لك عن رفع المسيح عليه السلام:

 

تحت عنوانكم : فأقول كما قال العبد الصالح


سألت عدة أسئلة ممهدا : حين استدللتَ بحديث البخاري "فأقول كما قال العبد الصالح" على تماثل الوفاتين، ذكرتُ أنّ "كما" لا تدل على التماثل من كل وجه، وإنما يكون التشابه في بعض المعاني لا في كل المعاني، وأوردت عليك بعض الإلزامات، فلم ترد عليّ شيئًا من تلك الإلزامات، وقلتَ ( وترى أن التشابه يكون في شيء دون شيء، وفتحت بابا لمناد يقول: يوجد شبه ولكن من يحدد وجه الشبه بالملليمتر والميكرومتر؟؟؟)
 فقلت َ أولا: أريد منك سلفًا من أهل العلم يقول إنّ التشبيه في كل المعاني لا في بعض المعاني.

والجواب : التشبيه يكون في بعض ملامح الحالتين  فعلا، وإلا لما عقدت المشابهة،  وإدراك وجه الشبه من الهدايات الربانية،  هداك الله وهداني لوجه الشبه،  ولكن اعذرني فقد تبادر إلى ذهني أيضا تشابه الوفاتين من تشابه الموقفين، ومن حرصي على التوحيد وتصوري أن الله لابد أن يعطي المسلمين برهانا مساعدا على موت سيدنا عيسى، وأؤكد، موت سيدناعيسى عليه السلام  بالذات،  حماية لهم من عقابيل موجات التنصير.
س ثانيًا: أنت نفسك ترى أن التشابه لا يكون في كل وجه، فأنت تقول بتشابه ولادة عيسى ويحيى عليهما السلام، وتقول (كما ولدا ولادة إعجازية، والفرق بين وجود الوالد وعدمه لا ينفي تشابه الولادة) ، فإن كان وجود الفرق بين وجود الوالد من عدمه لا ينفي وجود التشابه، فلماذا ترفض أن عدم تشابه الوفاتين لا ينفي وجود تشابه حال النبي صلى الله عليه وسلم والمسيح عليهما السلام مع من ارتد من قومهما بعد أن غابا عنهما؟؟

الجواب  هل تتصورني أبحث عن أي تشابه غير مافي الآية؟؟ الموقفان هما: كنت شهيدا على الناس مادمت فيهم، ثم حدثت وفاتي، ثم انحرفوا،  ثم كنت أنت الشهيد عليهم وعلى كل شيء.   وأنت تريد أن تفسر الوفاة في الآية والحديث بمعنى الغياب المشترك، وتجعل الآية : لما غبت، والحديث: لما توفيت.. ودون ذلك مفاوز تنقطع فيها أعناق الإبل، إن القول بتشابه الوفاتين هنا هو أقوى أوجه الشبه، لأن جواب الرسولين الكريمين وضح بجلاء ساطع أن الانحراف حدث ولم يكونا أحياء،  فالغياب كان في الآية والحديث بالوفاة، والوفاة هي قبض الروح أو الموت، ولاأخفي تألمي من تبعات القول بحياة عيسى عليه السلام، ونزوله التابع لهذا، يذبح الناس ولايقبل الجزية، واقتناعي بما سيجره ذلك على الإسلام من كوارث مستقبلية،  فتصورت أن التشابه موجود بين عموم موت يحيى وعموم موت عيسى خاصة حين عرفت أنهما معا في السماء لهما نفس الحياة.
س ثالثًا: تقول (الله يجمع كل الرسل ولم يستثن، ويسألهم ولم يستثن، والإجابة واحدة : لا علم لنا ..) فهل تقول بتماثل الوفاة بين جميع الرسل!

الجواب لم أطرق الآية من باب تماثل الوفاة بل من جهة اتفاقهم على: لاعلم لنا.. وأرى أن الله يسألهم عن ماتم بشأن دعوتهم بعدهم، (ماذا أجبتم) وأقول بتماثل جوابهم عن علمهم بجواب قومهم بعدهم، وأنهم كصادقين يوم ينفع الصادقين صدقهم، لامذهولين ولايحزنهم الفزع الأكبر، قالوا أنهم لم يعلموا ماذا كان سير الأمور بالنسبة لدعوتهم.
س رابعًا:

المزيد


الرد الرابع من منتدى التوحيد

مايو 31st, 2010 كتبها فتحي عبدالسلام نشر في , حوار منتدى التوحيد

الحمد لله الذي ضرب الذلة على أهل الباطل، فلم يرفعوا بباطلهم رأسًا، وصرف في القرآن من كل مثل، وكان الإنسان أكثر شيءٍ جدلًا، وكتب الموت على عباده، فكلهم آتيه يوم القيامة فردًا، يوم يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، من بعدما جاءتهم آياته البينات فما رضوا بها حكمًا!

ونشهد ألا إله إلا الله، جعل التدافع بين الحق والباطل من سنن كونه، فالحق أبلج والباطل لجلج، والحق ثابتٌ والباطل متلون، والحق دائمٌ والباطل زاهق، ذاك لوضوح أدلة الحق وظهورها، وركونِ أهله إلى أصولها، ووعدِ الله تعالى أن يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق!

ونشهد أن محمدًا خاتم الرسل، وآخر النبيين، وأمين أهل السماء، واللبنة التي بها تمّ البناء، وبموته انقطع الوحيّ من السماء إلى الأرض، وبشرعته ظهرت المحجة واستتب الأمر، فكان ورثته العلماء، وأتباعه الأتقياء، فمن صدّق بهذا فقد وعى مكان النبي ومكانته، ومن أنكر هذا فهو الحقيق أن يلام، وأن يستتاب للإسلام، فنسأل الله السلامة من العمى والعمه، ونحمده تعالى على الهداية ونشكره!

ونعلم أن الأصحاب هم النجوم حقًّا، وهم السابقون تصديقًا وصدقًا، ولقد عرفوا فعلّموا، واهتدوا فبيّنوا، ووعوا فبلّغوا، حتى قالوا "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم"، فكان سبيلهم هو سبيل التابعين بإحسان، (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا).

وبعد ..
فسلام الله عليك ورحمته وبركاته أيها المهندس الكريم.

أبدأ بإذن الله بالأصول وما علّقتَ به عليها، ثم أنتقل إلى كلامك عن الصفات والعرش، ثم أنتقل إلى الكلام عن المسيح الحق الموعود عيسى عليه السلام، ثم أنتقل إلى تلخيص الإلزامات والاعتراضات التي وجهتها لك ولم تتناولها برد، أو رددت عليها بما لا ينفع، وأختم بذكر الأدلة التي لم تتعرض لها بشيء!

وهكذا مازلتُ بفضل الله أتناول كلامك وما تستدل به؛ فلا أترك منه شيئًا يخالف قولي إلا رددته ورددت عليه، وها أنت تترك ما فيه الحجة على بطلان قولك بلا رد، وتنتقي من كلامي ما تظن أنك قادرٌ على الرد عليه، وقد كان جراء ذلك أنك تركتَ ما يقارب ثلاثين سؤالًا وإلزامًا واعتراضًا وجهتها إلى كلامك في ردي السابق، فلم تتعرض لها ولو بمرور الكرام!

وهذا الفارق – الذي تعرفُه – لا يعود إلا إلى فضل الحق على الباطل، فالحق يصيب الدماغ، أما الباطل فيود لو خلّي وما بين السطور، أو تُرك وضعفاء العقول، فإن واجهَ الحق واجهه مواجهة المضطر، يعمد إلى الانتقاء والتشتيت والحيدة، وغير ذلك من أمور عرفها أهل العلم في القديم والحديث، وعليه فإني أود لمن له مثل عقلك أن يعود للحق، فعندها ينصر الحق إذ الحق ينصره، أما وأنت هناك في ركب الباطل، فلن يخرج الأمر – ولابد – عن باطلٍ يخذلك ولا تستطيع إلا أن تخذله!

وربما ظننتَ أن قولك (دعنا أولًا نركز على الأصول)، أو قولك (وحتى نقضي في هذه الأصول بقضاء، فسأتوقف عن الخوض في بقية ما جاء في رسالتك)، سيجعلني أسكت عن تغاضيك عن الحجج الملزمة، ولكنك أيها المهندس الكريم تعرضتَ لما أردتَ من الفروع، وتكلمت عن "مصطلح الصفات" والعرش والكرسي واليد وكثير غير ذلك، بل إنك فوق ذلك تعرضتَ للتعليقات الجانبية؛ كتعليقي على وصفك النصوص بغابة النصوص، ولم تتوقف عن الخوض فيما جاء في بقية ما جاء في رسالتي السابقة إلا حيث اشتهيت، وتركتَ الإلزامات والحجج، وكأنها ستُنسى مع مرور الوقت، وحتى لا تُنسى فسأجمعها في نهاية هذا الرد، وهي قريبة من ثلاثين كما ذكرت!

ثم إني نظرت في قولك في هذه المرة أنك ستلون لي الكلام باللون الأصفر، مع أن الكلام يصلني دون تلوين! وجمعته إلى قولك في المرة السابقة (وعلى ملأ من الأشهاد)، مع أن الحوار بيني وبينك والوسيط بيننا وليس ثمَّ أشهاد، جمعت قوليك السابقين فعلمت أنك تنشر حوارنا في مدونتك على رؤوس الأشهاد، فأنتَ وما أردت، ولكن أرجو أن تكون أنضج عقلًا من أن تغرَّك أنظار المشاهدين، وتصرفَك الرغبة في الغلبة، وتحولَ سطوة النفس عن الانقياد للحق إذ تبين، أسأل الله لي ولك التوفيق والسداد والرشاد!

وأبدأ بما بدأتَ به، فإني لما مثلتُ حالك مع النصوص بقولك أنت (هكذا يتبين في غابة النصوص سبيل للسلوك والجمع بينها) وهذا يتنافى مع وضوح النصوص وبيانها، رددتَ بقولك (ما أقصد بغابة النصوص، إن الغابة ليست القرآن، بل الروايات الصحيحة لو اختلطت بالضعيفة في الروايات الحديثية والموقوفات في حكم المرفوع أو لزوم الوقف)، مع أن سياق كلامك كان واضحًا، والجمع بين النصوص لا يدخل فيه الضعيف، فتأمل!

الأصل الأول وتناول تعقيبك عليه!

فالأصل الأول هو في جعل الألفاظ على قسمين، قسمٌ جاء في الكتاب والسنة وكلام أهل الإجماع، فهذا نحكم له بما حكمَ فيه هؤلاء، وقسم لم يرد فيما سبق، فهذه لا يُعلق بها حكم حتى نستبين المعنى، فإن كان على مرادِ حقٍّ أثبتناه وإلا أسقطناه، ومثلت لهذه الألفاظ الحادثة بألفاظ "الجسم" و "الحيز" و "الجهة" و "الجوهر" و "العرض" و "التركيب" و "الجارحة" و "التكثر".

فكان جوابك (فهل أضيف ما يلي : ومنها الألفاظ المضافة من عندنا كإضافة لفظ " صفة الذات" دون ضبط محكم وبشكل مسرف إسرافا عند الألفاظ الشرعية المضافة للفظ الجلالة أو ضمير الجلالة . ؟؟؟؟) وألحقُ به قولك (فإذا قام خطيب وأخذ يعلمهم ما يدعيه أنه ( توحيد الصفات، وصفات الذات) …) غمزًا في "توحيد الصفات" من طرفٍ خفيّ.

فجوابك لم تزد فيه على ذكر صفةٍ منفِّرةٍ باتفاق العقلاء، ألصقتَها بمن يقول بـ "صفة الذات"، وكأنّ كل من يقول بـ "صفة الذات" يسرف إسرافًا لا ضبط له ولا إحكام، فإن كان مقصودك هو التشنيع بالألفاظ، أو كان مقصودك التحذير من الإسراف وترك الضبط والإحكام، فكان الأولى أن يتوجه تشنيعك وتحذيرك إليك، إذ جعلتَ نص الحديث (يوم لا ظلَّ إلا ظلي)، دليلًا على أن العرش هو هو الله - تعالى الله عن قولك علوًّا كبيرًا؟ فمن ذا الذي يُسرف ويذهب به الغلو كل مذهب؟!

وإن كان مقصودك التشنيع على القائلين بـ "صفات الذات"، حتى ولو أحكموا ولم يسرفوا، فإن أهل العلم - بأي علمٍ – يعلمون أنه لا مشاحة في الاصطلاح، فكما أن تقسيم العلوم الشرعية إلى عقيدة وفقه وسيرة وتاريخ وغير ذلك تقسيم اصطلاحي لا مشاحة فيه، فكذلك تقسيم التوحيد أو الصفات باعتبارات مختلفة، اصطلاح لا ينبغي أن تقع فيه مشاحة! ولكن إذا ترتب على التقسيم الاصطلاحي حكم لم يأتِ به الشرع، فهنا يكون هذا التقسيم بدعة، والقائل به مبتدع، لأنه رتب على ما لم يأتِ به الشرع حكم، ولكن إن لم يترتب على هذا التقسيم حكم، فهنا يبقى الأصل أنه لا مشاحة فيه!

فكيف وهذا التقسيم حقيقة شرعية، بُنيت على استقراءٍ تامٍّ لنصوص الشرع، كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تنطق بهذا التقسيم، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب.

فأنت تعارض الاستقراء التقسيم والاصطلاح، رغم أن هذا الاصطلاح لم يأت بحكمٍ جديد، وفي نفس الوقت ترضى بتعطيل ما جاءت به النصوص، كما فعل الرازي حين قال بحتمية التأويل بنفي الجهة، مع أن لفظ "الجهة" لم يرد في الشرع، ونفيها لم يرد من باب أولى، فهذا هو الفرق بين من يقول بصفات الذات وتوحيد الأسماء والصفات، وبين من يتشبث بألفاظ محدثة يرتب عليها أحكامًا وتأويلاتٍ ليست من الشرع!!

الأصل الثاني وتناول تعقيبك عليه!

الأصل الثاني عن أن القرآن مبين، والسنة كذلك، كلاهما يهدي للتي هي أقوم، ولذا فالواجب إجراء النصوص الواردة على ظاهرها، إذ جاءت بأوضح وأبلغ وأبين لفظ، وكمالُ علم المتكلم وفصاحته ونصحه يمنع أن يريدَ بكلامه خلافَ حقيقته، وتيسير القرآن للذكر ينافي حمله على غير ظاهره، وظاهر الكلام هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع، وقد يكون بسياق الكلام.

فكان تعقيبك (كلمة الظاهر يقصد بها هذه الأيام المعنى السطحي ، فلابد إذن من تحريرها)اهـ، رغم أني عرّفتُ ظاهر النص بقولي (وظاهر الكلام هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع، وقد يكون بسياق الكلام)اهـ، ولم تُعقّب على هذا التعريف، وانطلقتَ تبين معنى الظاهر، وكان اللائق وسبيل الحوار النافع أن تنظر في تعريفي فتتناوله بالنقد أو توافق عليه!

ثمَّ وضعتَ تعريفك للظاهر (الظاهر هو المعنى الذي ينتصر على غيره من المعاني الباطلة)، وهذا التعريف ناقص!

فهب أنّ اختلافًا وقع بين اثنين فاحتكما لنصّ من الكتاب، وكلا المحتكمين يرى نفسه على الحق، وكلاهما يرى قوله الحق الذي ينتصر على ما سواه من الباطل، فنظر كلّ منهما في نصوص الشرع، فرآها بعين نفسه، فهذا يرى أنّ تفسيره حق وذاك كذلك، فعلى معنى "ظاهر النص" الذي ذكرتَه، لا يقوم الكتاب حكمًا، إذ المحتكمون يرون أنهم على حقّ، (وكذلك زينا لكل أمة عملهم، ثم إلى ربهم مرجعهم، فينبئهم بما كانوا يعملون)، والحاصل من هذا التعريف إبطال حاكمية الكتاب والسنة!

ثمّ إن هذا التعريف فيه دَوْر، فأنت تطلب ممن يظن نفسه على الحق، أن يحتكم لظاهر النص الذي هو المعنى الحق، فلو تأملتَ ذلك – وأرجو أن تفعل- لوجدتَ هذا التعريف فيه احتكام للعقل قبل الاحتكام للنص!

فإن أضفتَ إلى ذلك إلغاء آثار الصحابة وفهمهم، إذ ينطلق المرء من فكرةٍ مسبقة يظن أن فيها تنزيهًا لله، ثم يجعل قول الصحابة بهذا القول من باب إحسان الظن، كما تقول أنت (لذلك يحسن الظن بالصحابة أنهم فهموا الكرسي أنه العلم)، فأي شيء يبقى بعد إبطال ظاهر النصوص وفهم الصحابة بهذه المزاعم؟!

ولذلك فإن من يقرّ بأن الاحتكام يكون للشرع، وأنّ القرآن الكريم مبين، وأن السنة كذلك، وأنهما يهديان للتي هي أقوم، وأن نصوص الشرع جاءت في أفصح وأبلغ وأبين لفظ، وأن كمال علم المتكلم وفصاحته ونصحه يمنع أن يريدَ بكلامه خلافَ حقيقته، وتيسير القرآن للذكر ينافي حمله على غير ظاهره، من يقر بهذا - ولا أحسب منتسبًا للإسلام يعارض هذا – يلزمه الإقرار بأن ظاهر النص هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع، وقد يكون بسياق الكلام.

الأصل الثالث:

قلتُ (النصوص الواردة في الصفات تمر كما جاءت ويؤمن بها وتصدق، وتصان عن تأويلٍ يفضي إلى تعطيل، وتكييفٍ يفضي إلى تمثيل، وذلك أن الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، يحتذي حذوه، ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية).

وقلتَ (ولا خلاف).
قلتُ: فلو وافقتني على الأصل الثاني مع الأول لما حصل بيننا خلاف، ولكنك تقول بظاهر هذا الأصل الثالث وتخالف في المقصود بظاهر النصوص، فتمر النصوص بما يراه عقلك ابتداءً وتجعله هو معنى النصوص، بينما أمرر النصوص بما يقتضيه ظاهرها، لكنك تأبى إلا الاحتكام للعقل وإن سميته بغير اسمه، وأنا لا أرضى إلا بظاهر النص وهو صريح العقل، وكفى بهذا بيننا خلافًا واختلافًا!

الأصل الرابع وتعقيبك عليه!

قلتُ (الكلام من حيث قبوله للتأويل من عدمه أقسام:
الأول: ما هو نص في مراد المتكلم لا يقبل محتملا غيره، فهذا يستحيل دخول التأويل فيه، وهذا شأن عامة نصوص القرآن الصريحة في معناها، كمثل أنه سبحانه يأمر وينهى، وكل يوم هو في شأن، ويسمع ويرى، فعّال لما يريدفهذا القسم إن سلّط عليه التأويل عاد الشرع كله مؤولًا أو قابلًا للتأويل، وما كان في المستطاع إقامة حجةٍ على مبطل أبدًا!
الثاني: ما هو ظاهرٌ في مراد المتكلم وإن احتمل أن يريد غيره، فهذا يُنظر في وروده، فإن اطرد استعماله على وجه استحال تأويله بما يخالف ظاهره، لأن التأويل إنما يكون لموضعٍ جاء خارجًا عن نظائره، فيؤول حتى يرد إلى نظائره، وهذا هو المعقول في الأذهان وفي الفطر وعند كافة العقلاء
الثالث: الخطاب بالمجمل الذي أُحيل بيانه على خطاب آخر، فهذا أيضًا لا يجوز تأويله إلا بالخطاب الذي يبينه، وقد يكون بيانه معه، وقد يكون بيانه منفصلًا عنه.
والمقصود أن الكلام الذي هو عرضة التأويل أن يكون له عدة معان، وليس معه ما يبين مراد المتكلم، فهذا التأويل فيه مجال واسع، وليس في كلام الله ورسوله منه شيء من الجمل المركبة)

فاعترضتَ على الصنف الثالث، وقلتَ (وكيف والقرآن مملو منه ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم)، فهل فعلًا تقصد ذلك وتعتقده؟! هل تقصد أن القرآن والسنة مليئان بمجمَلات لم يأتِ بيانها في خطاب آخر معها أو منفصلًا عنها؟! هل تلتزم بهذا الكلام وتدرك موقعه من القول بهيمنة الكتاب وبيانه وهدايته!؟

أما كلامك عن سجود الشمس وأني أقول بمثل قولك فسيأتي بعد ذلك!

أصل المبتدعة وتعقيبك عليه.

قلتُ: (الفرق المبتدعة " تتأول كل ما يخالف نحلتها وأصلها، فالمعيار عندهم فيما يتأول وما لا يتأول هو المذهب الذي ذهبت إليه، ما وافقها أقروه ولم يتأولوه، وما خالفها تأولوه"، "وكلام شيوخهم وتصنيفهم عندهم نص في مرادهم لا يحتمل التأويل، وكلام الموافقين عندهم نص لا يجوز تأويله، حتى إذا جاءوا إلى كلام الله ورسوله وقفوه على التأويل"، فهم احتكموا إلى عقولهم وأئمتهم، ثم حكموا بذلك على نصوص الشرع، بينما الحق الذي لا شك فيه أن الحكم لله).

فقلتَ (ونعوذ بالله من هؤلاء) .

فما رأيك في كلام الرازي (فلو كان الإله في العرش للزم الملائكة أن يكونوا حاملين لله تعالى وذلك محال، لأنه يقتضي احتياج الله إليهم، وأن يكونوا أعظم قدرة من الله تعالى وكل ذلك كفر صريح، فعلمنا أنه لا بد فيه من التأويل)، وقوله (لما دلت الدلائل على امتناع كونه في المكان والجهة ثبت أنه لا بد من التأويل)؟! أليس هذا من القول بحتمية التأويل بناءً على أمورٍ ليست من الدين وإنما هي من الوهم؟!

ثم أنتقل إلى كلامك عن الصفات والعرش:
حديث سجود الشمس .. موافقة أم مفارقة!

تقول (قد اعترفتم بالتأويل ومفهومنا للعرش والسجود وأنهيتم الحوار بالاتفاق دون أن تدركوا)!

فقولك (خضوع حركات الشروق والغروب لتدابير الله وإذنه) ليس هو قولي (دوام سجود الشمس وخضوعها، تحت عرش الله عز وجل)، لأني أتيت بمعنى الخضوع من لفظ "سجد"، وأقول إن الشمس تحت العرش المخلوق الذي هو فوق السماوات، والذي استوى عليه الرحمن، كما في سائر كلامي، أما أنت فتجعل العرش تدابير الله، فأين الاتفاق المزعوم الذي لم أدركه؟!

مخالفتك لما سبق ووافقتَ عليه:

تقول في الكلام عن استواء الله على عرشه والكرسي ويد الله وغير ذلك من الصفات (مهما قلت أنه هو يحمل العرش وحملته فلن يفهم من كون الكرسي تحت العرش بمسافة وهو موضع القدمين سوى هيئة جلوس الله تعالى ، وأن المحصلة من الوصف في أذهانهم هي هيئة تشبه الإنسان، ولكنها هائلة جدا جدا وشفافة مع أشكال مختلفة مجهولة للأيدي والأقدام).

فبالله ما هذا الكلام؟! أليس هذا في حقيقته تشنيعًا – أو استدلالًا فالبلية في ذاك سواء - بالوهم الذي يقوم في ذهن العوام ويزول بالتعليم؟! ثمّ هب أنّ هذا وقعَ من العوام، أليس من واجب العالم أن يبين لهم لا أن يحرّف النصوص ويؤولها نفورًا من فعلهم، فيستجير من الرمضاء بالنار؟!

ألا يكفي في الرد على كلامك هذا ما سبق ووافقتَ عليه: (النصوص الواردة في الصفات تمر كما جاءت ويؤمن بها وتصدق، وتصان عن تأويلٍ يفضي إلى تعطيل، وتكييفٍ يفضي إلى تمثيل، وذلك أن الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، يحتذي حذوه، ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية)، فما بالك تنقض ما وافقت عليه؟!

إضافة لفظ الذات!

تقول (لا يصح أن نضيف كلمة ( الذات ) من عندنا ونجعل: ترون ربكم، و: إلى ربها = ترون ذات ربكم.. و: إلى ذات ربها ناظرة…)اهـ، ولعلك تقصد قول أهل السنة (استوى على العرش بذاته)، وكذلك قولك بعدُ ((لم تضيفون هنا يد الذات؟؟؟ هنا نذكرك بأن اليد ليست منسوبة للذات إلا إذا افترضت مشابهة الخلق لله، ومن هنا يتبين الخلل في عبارتك التالية)اهـ.

يقول العلّامة بكر أبو زيد رحمه الله في بيان مسلك أهل القرون الخيرية وتابعيهم بإحسان:
(
وجود الأقوال الشنيعة من المخالفين في حق الله تبارك وتعالى المُعلنةِ في مذاهبهم الباطلة: التأويل، التفويض، التعطيل … المخالفة لما نطق به الوحيان الشريفان في أمور التوحيد والسنة، اضطرت علماء السلف الذين واجهوا هذه المذاهب والأقاويل الباطلة بالرد والإبطال، إلى البيان بألفاظ تفسيرية محدودة، هي من دلالة ألفاظ نصوص الصفات على حقائقها ومعانيها لا تخرج عنها، لأن هؤلاء المخالفين لما تجرؤوا على الله فتفوهوا بالباطل وجب على أهل الإسلام الحق الجهر بالحق، والرد على الباطل جهرة بنصوص الوحيين، لفظًا ومعنى ودلالة بتعابيرَ عن حقائقها ومعانيها الحقة لا تخرج عنها البتة، وانتشر ذلك بينهم دون أن ينكره منهم أحد، وكان منها مثلًا ألفاظ خمسة: "بذاته" "بائن من خلقه" "حقيقة" "في كل مكان بعلمه" "غير مخلوق".
فأهل السنة يثبتون استواء الله على عرشه المجيد، كما أثبته الله لنفسه، فلما نفى المخالفون استواء الله على عرشه المجيد، ولجؤوا إلى أضيق المسالك، فأوله بعضٌ بالاستيلاء، وبعضٌ بالتفويض، وبعضٌ بالحلول، رد عليهم أهل السنة بإثبات استواء الله على عرشه المجيد بذاته، وأنه سبحانه بائن من خلقه، وأنه استواء حقيقة.
فأي خروج عن مقتضى النص في هذه الألفاظ…… وهذه الألفاظ انتشرت بين المسلمين أهل السنة والجماعة ولم ينكرها منهم أحد
أما لفظ بذاته فقال أبو منصور السجزي المتوفي سنة 444 هـ رحمه الله تعالى "وأئمتنا كالثوري ومالك وابن عيينة وحماد بن زيد والفضيل وأحمد وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان".انتهى.
وأبو إسماعيل الهروي المتوفى سنة 482 هـ رحمه الله تعالى لما صرح في كتبه بلفظ "بذاته" قال "ولم تزل أئمة السلف تصرح بذلك" انتهى.
فهذا نقلان يفيدان إطلاق هذا اللفظ لدى السلف من غير نكير) ثم ذكر الشيخ رحمه الله ورود ذلك عن ابن أبي شيبة(ت 297 هـ) والطبري (ت 310 هـ) وغيرهم كثير، وانظر كتابه (الردود : 465 فما بعدها).

بالمناسبة: هل تعترض على قول صاحبكم في تفسيركم الكبير (الرحيم صفة "الذات" التي تقدر عمل الإنسان حق قدره)؟؟ وهل تعترض على قولك بعد ذلك (الله يذكر من صفات "نفسه" كمالات)؟!

ومازلنا مع "مصطلح" الصفات:

تقول: (الأمر عندي أن الصفات أو الصفة ليست هي مساعدة الخيال الإنساني ليستوعب هيئة الذات الإلهية)اهـ.

وهذا التعريف العدميّ أمر يسير، سيما وقد وضعتَ فيه لفظة "الهيئة"، ولست أدري حقيقةً ما مقصودك من هذا الكلام؟ هل هو نفي الصفات أم ماذا؟؟ وليتك فيما نستقبل من أمرنا تكون واضحًا صريحًا!

عمومًا أثبتُ صفات الله تعالى كما أثبتها لنفسه، وبهذه الصفات نعرف ربنا عزّ وجل، ولو أنك قرأت تفسيركم الكبير، لما توجهت للكلام عن الصفات بهذا الكلام الغامض، إذ في تفسيركم يقول (إن الذات الإلهية في خفاء تام ولا تُعرف إلا بالصفات)، وهذا القائل عندكم هو (دقيق العقل ومن المقربين .. قد ملئ عقله علمًا وباطنه حلمًا).

هذا .. ما اسمه؟!

تقول (وأرى أن الصحابة فردا فردا كانوا في عداد العلماء والبحار، بصرف النظر عن حجم البحر، هل هو البحر المتوسط أم بحر الروم، والأمر عندي في وصف العباد المذكورين أو قولهم في الصفات هو ما يفقهه العالم والبحر عن الله والرسول، من عباد الله الصالحين المخلصين، الذين ينظرون مواطيء أقدامهم قبل التحدث عن شئون العلي الخبير، أما العامي والغمر الذي لم تحدد حضرتك مدى العامية والغمرة التي هم فيها غارقون)اهـ.

بالمناسبة بحر الروم هو البحر المتوسط، ثم هل كلامك هذا ردّ على قولي (فإنّ الله تعالى أنزل القرآن مُبينًا، يهدي للتي هي أقوم، ويسّره للذكر، فضرب للناس طريقًا واضحًا، ومنهجًا لائحًا، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيّ عن بينة، وكان أولى ذلك بالوضوح، وأحقه بالظهور هو صفات الله وكماله، ومقتضيات أسمائه ونعوت جلاله، يعرفها العاميّ والعالم، ويدركها الغُمر والبحر، فما بالك جعلتها سبيلًا في (غابة!))!؟

سؤال جوابه نعم أو لا : هل تقول إن القرآن الكريم نزل بألفاظٍ يتبادر إلى ذهن العربي عند سماعها معانٍ غير صحيحة؟!

تعود إلى "معاني" العرش دون أن ترد على أسئلتي في الرد السابق:

تكرر الكلام وتقول (وفضل العرش على الكرسي هو فضل مجموع الكمالات على فضل صفة العلم وحدها.) وتكرر (ذو الصفات العظمى المتجلية بجلالها)، وتكرر (معنى لفظ العرش أولا أنه صفاته أو تجليه تعالى بصفاته)، وتكرر (وذو العرش بمعنى ذو المجد والتجلي والجلال)، ثم تتساءل (ولست أدري ما الذي يغضبك في هذا الفهم ؟؟؟ هل أغضبتك أنني ضربت صفحا عن قصة القدمين؟؟).

فيا سيدي دعك من الكلام عن الغضب وضرب الصفح، وأجب أسئلتي التي وجهتُها إلى هذه المعاني المزعومة سؤالًا سؤالًا!

وأسأل هاهنا عدة أسئلة طامعًا في تحصيل جواب مقنع:
-
آلعرش هو صفة التدبير أم صفة العزة أم مجموع الصفات أم هو أنواع أم هو توجه تجليات الله أم هو فيوضات الربوبية والرحمة والملك أم هو هو الله ذاته؟!
-
لم اضطررتَ نفسك إلى ذلك؟! وما يضرك إن أخذت اللفظ على ظاهره، فقلتَ إن العرش كما هو المعنى المتبادر للأذهان، وأن الله تعالى مستوٍ عليه، بائنٌ من خلقه، غنيٌّ عن العرش وحملته؟! ما يضرك وما يضرنا من هذه العقيدة الصافية التي لم ينقل خلافها عن الصحابة؟!
-
إنك تنطلق من هذا الذي ذكرتَه، فتنظر في قول مجاهد (استوى : علا على العرش.)، فتقول ( فالله علا على عرش العزة)، فهل كان مجاهد رحمه الله عيّ اللسان لا يستطيع الإبانة فيقول بمثل قولك "علا على عرش العزة"؟!
-
ثم تنطلق منه كذلك، فتنظر في قول ابن مسعود رضي الله عنه (والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم) ، فتقول (فهو يقصد أنه

المزيد


الرد على الرد الثالث لمنتدى التوحيد

مايو 16th, 2010 كتبها فتحي عبدالسلام نشر في , حوار منتدى التوحيد, لما ألقى موسى عصاه

 

 

 

 

 

الرد على الرد الثالث لمنتدى التوحيد

 

 

 

أيها العالم الجليل من منتدى التوحيد.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أشهد ألا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخير خلقه وصفوة رسله وحامل لواء الحمد يوم القيامة وسيد ولد آدم وشريعته باقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وقرآنه محفوظ وصالح ومحكم ولا ينقص منه حرف.

في البداية أوضح ما أقصد بغابة النصوص، إن الغابة ليست القرآن،  بل الروايات الصحيحة لو اختلطت بالضعيفة في الروايات الحديثية والموقوفات في حكم المرفوع أو لزوم الوقف. 
 دعنا أولا  نركز على الأصول التي كتبتها لأفهمها جيدا وأهضمها وأحاول تطبيقها لعل الله يهديني سواء الصراط.

فلو انتهينا من الأصول التي ذكرتها حضرتك واتفقنا عليها فإن بقية مقالتك تكون قد تلقت توضيحا من طرفي بشأن  التعجبات العديدة التي ذكرتها بعد مقدمة الأصول، وعلقت بالاستفهامات على كل عنصر من عناصر رسالتي السابقة. 
قلت حضرتك : (( أولا: الألفاظ نوعان :
نوعٌ مذكورٌ في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع، فهذا يجب اعتبار معناه وتعليق الحكم به، فإن كان المذكور به مدحًا استحق صاحبه المدح، وإن كان ذمًّا استحق الذم، وإن أثبت شيئًا وجب إثباته، وإن نفى شيئًا وجب نفيه، لأن كلام الله حق، وكلام رسوله حق، وكلام أهل الإجماع حق.
والثاني : ألفاظ ليس لها أصلٌ في الشرع فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم، والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه يوافق الشرع))  ا . هـ  فهل أضيف مايلي : ومنها الألفاظ المضافة من عندنا  كإضافة لفظ " صفة الذات" دون ضبط محكم  وبشكل مسرف إسرافا عند الألفاظ الشرعية المضافة للفظ الجلالة أو ضمير الجلالة . ؟؟؟؟

وقلتَ في مقام لاحق عند كلامي عن الصفة:  (( فإن الله تعالى نزّه نفسه عن وصف الواصفين إلا وصف عباده المخلصين، وثبت ذلك عن الصحابة رضوان الله عليهم، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم عليها.)) ا . هـ  فالأمر عندي أن الصفات أوالصفة ليست هي مساعدة الخيال الإنساني ليستوعب هيئة الذات الإلهية،  وأرى أن الصحابة فردا فردا كانوا في عداد العلماء والبحار،  بصرف النظر عن حجم البحر، هل هو البحر المتوسط أم بحر الروم،  والأمر عندي  في وصف العباد المذكورين أو قولهم في الصفات هو ما يفقهه العالم والبحر عن الله والرسول، من عباد الله الصالحين المخلصين،  الذين ينظرون مواطيء أقدامهم قبل التحدث عن شئون العلي الخبير، أما العامي  والغمر الذي لم تحدد حضرتك مدى  العامية والغمرة التي هم فيها غارقون،  فعندهم  وياللحسرة أن فلانة تصف فلانة أي تصور هيئتها الهندسية والفنية للسامعين كأنهم يرونها، أي وصف الملامح  تسهيلا لاستيعاب الصورة،  وقد شاع بين العامة والمغموسين في هموم الدنيا هذا المعنى للصفة معاذ الله منه، فإذا قام خطيب وأخذ يعلمهم مايدعيه أنه ( توحيد الصفات، وصفات الذات) وعدد لهم (صفات الله)  من قدمين ولهما موضع محدد هو الكرسي، والكرسي هو جرم محدود من الكون  مهما اتسع ووسع السماوات فهو صغير جدا بالنسبة لجرم مخلوق هو العرش، ولكنه على صغره قد صلح أن يكون ( موضعا/ تصوروا : موضعا ) لقدمي الله، القدمان اللذان يمكن حساب فكرة عن حجمهما، بأنهما تقريبا حجم النار عشرة أو عشرين ضعفا، وذلك  من افتراض نسبة منهما ولو 10% ، تدخل في جهنم فينـزوي بعضها على بعض،  بأن نحسب حجم النار من سرعة ومسافة الحجر الذي يهبط  من شفير جهنم إلى قاعها في سبعين خريفا،  وعدد أهل النار  مضروبا في أقصى حجم ممكن للمعذب  الواحد وغرفته،  وبالتالي يمكن أن يتم حساب حجم جهنم.. وبعد القدمين يوجد ساق، ولايعرف عدد السيقان، ثم الحقو ثم اليدان بالقبضة والأصابع ثم الوجه ، والعينان .. ماذا ينطبع في نفس العامي والغمر سوى أن صاحبنا المدرس قد ( وصف الله ) وحاشاه تعالى ، من قمة الوجه إلى إخمص القدمين، ومهما قلت أنه هو يحمل العرش وحملته فلن يفهم من كون الكرسي تحت العرش بمسافة وهو موضع القدمين سوى هيئة جلوس الله تعالى ، وأن المحصلة من الوصف في أذهانهم هي هيئة تشبه الإنسان،  ولكنها هائلة جدا جدا وشفافة مع أشكال مختلفة مجهولة للأيدي والأقدام.. وهذه المأساة العقائدية لن يخفف منها قولك بلاكيف وبلا كذا وبلا كذا ،  فالكارثة قد وقعت والصحابة منها براء.  لذلك يحسن الظن بالصحابة أنهم فهموا الكرسي أنه العلم وطبقا للنص الذي نقلته في ردك الأخير:

وصحّ قوله صلى الله عليه وسلم ( يا أبا ذر! ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة )
ا . هـ ..  فإن السماوات السبع  شيء يسير جد يسير  كالحلقة في الصحراء،  بالنسبة لعلم الله الواسع الذي يشمل الأكوان وماخلقه منها وما لم يخلقه والآخرة وعوالمها، والملائكة وخلقهم … وفضل العرش على الكرسي هو فضل مجموع الكمالات على فضل صفة العلم وحدها، وفضل محيط الصفات الإلهية يجعل فضل العلم بالنسبة له كفضل الحلقة في الفلاة.  ولست أدري ما الذي يغضبك في هذا الفهم ؟؟؟  هل أغضبتك أنني ضربت صفحا عن قصة القدمين؟؟ إذن فهذا نص أيضا صالح وقد رضيته فما أنا بملوم.

وأما قولك : (( والألفاظ التي تُعارَض بها النصوص هي من هذا الدرب، كلفظ "الجسم" و"الحيز" و"الجهة" و الجوهر" و "العرض" و "التركيب" و"الجارحة" و "التكثر" وغيرها من ألفاظ دخلتنا من الفلسفة وعلم الكلام.)) ا.هـ
 فإن الأمر عندي هو أن الله فوق الخلق كعقيدة لاتنتظر خلق مخلوق، والفوقية ثابتة قبل أي عرش  وبعده، والله من فوق سبعة أرقعة  من دون خلق الأرقعة. ثم إنك قلت : ((  أما اعتبار علو الله هو علو المجد والجلال والعزة والقهر والغلبة فوق خلقه فهو معنى لا ننفيه)) ا . هـ .. وهذه موافقة، ومعنى واسع  يكفي ياسيدي ألا تنفيه، وهو معنى كاف لفهم النصوص، والإشارة بالأصابع فطرة ويقصدون بها العلو الحقيقي، وليس العلو الحقيقي عندهم جميعا جغرافيا، أو مايسمى اصطلاحا بظاهر العلو،  بل هي حركة  يتفق فيها المنزه وغيره .. فقولك:    (( لكننا نقول أيضًا أن العلو الحقيقي الذي يشار إليه بالأصابع مقصودٌ بالدرجة الأولى لأنه هو الحقيقة، ثم يأتي علو المجد والعزة وعلو القهر والغلبة في المرتبة الثانية ، والدليل على ذلك هو ما ذكرته لحضرتك من كون المعنى الأصلي هو الحقيقة لا المجاز ، كما أن قرائن الكلام تفيد الحقيقة كقوله صلى الله عليه وسلم "على عرشه فوق سماواته" وقول الصحابة كذلك وزوجات النبي رضى الله عنهم وعنهن أجمعين.))  ا . هـ  أقول : قولك هذا لايمثل مشكلة لو كنت جادا في اعتقادك بسابقه.

 

وتذكر ماتوافقت معي عليه قبل ذلك من قولك:

(( ويصب في نفس النهر ما ذكرته من كون قوله عز وجل يد الله فوق أيديهم يعني أنه حاضرٌ معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم ، فهذا لا ننازع فيه ، لكن نضيف كذلك أن في هذا النص إثبات اليد لله العلي العظيم كما يقول الملك أو الأمير "إن هذه المملكة كلها بيدي"، فهو يعني أنها تحت ملكه يتصرف فيها كما يشاء ..))   ا . هـ  لم تضيفون هنا يد الذات؟؟؟  هنا نذكرك بأن اليد ليست منسوبة للذات إلا إذا افترضت مشابهة الخلق لله،  ومن هنا يتبين الخلل في عبارتك التالية : ((  كذلك في كلام الله ورسوله عن الصفات الخبرية من يد وعين ووجه وغيرها فالفرق بيننا هو أن حضرتك تنفي هذه الصفات ونحن نثبتها، ولا نتنازع معك في كون معنى الكلام أن الله يسمع أقوال المؤمنين ويعلم ضمائرهم أو أن معنى كذا هو أنه يحمي رسله أو يرعى خلقه ، فهذه معان صحيحة لا ننازع فيها ، إنما محل النزاع هو في إثبات صفات الله كما وردت في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم.)) ا . هـ

إن مالم تنازع فيه حضرتك من المعنى كاف لحسم الأمر ويكفي لوضوح معنى النص،  والحمد لله لاننفي شيئا ولكن لانزيد كلمات من عندنا على عقائد الإسلام .

 

وقلت:
(( ثانيًا: حيث إنّ القرآن الكريم قد نزل بلسانٍ عربيٍّ مبين، والسنة النبوية مبينةٌ للقرآن الكريم، وكلاهما يهدي للتي هي أقوم، فالواجب إجراء النصوص الواردة على ظاهرها، إذ إن هذه النصوص وردت بأفصح وأبلغ وأبين لفظ، لتدل الناس على المعنى الذي فيه صلاح قلوبهم، وصفاء معتقدهم، وكمالُ علم المتكلم وفصاحته ونصحه يمنع أن يريدَ بكلامه خلافَ حقيقته، وتيسير القرآن للذكر ينافي حمله على غير ظاهره، وظاهر الكلام هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع، وقد يكون بسياق الكلام.)) ا . هـ

كلمة الظاهر يقصد بها هذه الأيام المعنى السطحي ، فلابد إذن من تحريرها ، وكي نفهم كلمة الظاهر التي تتكرر هذه، فلننظر .  فالله هو الظاهر الباطن ومعناهما أنه عال علوا يسبق وجود الأشياء، وعلمه وقدرته تصل لكل شيء، وهو أقرب لكل شيء من ذات الشيء..  وأظهره الله أطلعه، وأظهر الله الدين نصره وجعله متاحا لمن يريد الاطلاع عليه مخلصا، والظاهر هو المعنى الذي ينتصر على غيره من المعاني الباطلة،   وتطبيقا على ذلك فعندما نقرأ آية الكرسي وهي أعظم  آية في كتاب الله تعالى كما قال الصادق  محمد صلى الله عليه وسلم فإن الظاهر منها أن الله يذكر من صفات نفسه كمالات لاحدود لها، وفي سياق ذلك ذكر الله علمه فأوضح صفة العلم بأشكال شتى ومنها العلم بأسرار العباد ومبررات الشفاعات

وفي سياق بيان الصفات الربانية جاء ذكر الكرسي، مما يوضح أن الصحابة كانوا يرون الظاهر عندهم  منها أنه علم الله تعالى،  حيث أن السياق يحكم به ويجعل معنى العلم هو المعنى ( الظاهر)، بمفهوم الظاهر الحق،  وحسب العربية فمن معاني الكرسي : العلم، ثم إن سياق  النص في آية الكرسي يتحدث عن سعة في نطاق صفات الله ، فهي إذن سعة العلم، وحديث نسبة العرش للكرسي تكمل الفهم وهو أن الله وسع كل شيء علما ولكنه وسع كل شيء أيضا رحمة، ووسع كل شيء قدرة، ووسع كل شيء حكمة، فهو واسع العلم وواسع الحكمة مما يؤكد أن سياق الإسلام كله يقطع أن الصفات أوسع من العلم الواسع، أي أن العرش أوسع من الكرسي الواسع.  فلننظر السياق:

الله لاإله إلا هو .

صفة الأحدية والوحدانية وأنه ملجأ كل شيء أو إلهه، يؤتي كل شيء خلقه ومقومات وجوده وهداه،  كهف الأراضي والسماوات الأوحد.

الحي القيوم لاتأخذه سنة ولانوم.

واهب الحياة الحي،  القائم بتدبير وحفظ كل تفاصيل وجود ونظام وبقاء كل شيء، و هو الحي القيوم المنفرد بالقيومية على  حاجات الأحياء وسننها وحفظ نظمها وأقدارها المقدورة،  القيوم بلا قطع مسافات، ولايمشي في ممرات، ولاتتغير عليه الاتجاهات، المنزه عن التعب واللغوب والتقاط الأنفاس واسترواح الراحة، لاتطرأ عليه الطوارئ ولاتنتابه النوائب ولاتجري عليه المصائب، لا يجوع  فيأكل، ولا يعطش فيشرب،  ولا يصوم ولا يفطر، ولا يمرض ولا يفتقر،  ولا يعييه الخلق فيتعب،  ولا يمل من حفظ الخلق.  
له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه.

الملك الذي يملك كل ذرة وموجة وكل جزء ذرة وخفقة موجة ويملك هداية الذرة والموجة  وما أصغر.

من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟؟؟

يعلم مابين أيديهم وما خلفهم ولايحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء.

هويملك الشفاعة وحده ولايملك أحد الشفاعة، عناصر الشفاعة من رحمة ومعرفة حقيقة الأعذار وأسرار الاستحقاق هو يعلمها محيطا بها، ويعرف من كمالاته ومن سعة رحمات ذاته ماهو بمثابة شفاعة لمن لايعلمهم أحد ومن لايعلم أحد عذرا لهم   ولايتقدم لهم أحد برجاء رحمة،  ولا أحد يستطيع معرفة استحقاق وموعد استحقاق رحمة مالم يعرفه الله ، ولايستطيع شفاعة لم يأذن الله له بالأمر بالكلام فيها.

بل معلوماته ودقة أسرار علومه ولطفه تعالى تبلغ آفاقا وعلوا،   بحيث أن السماوات والأرض حولكم ماهي في علم الله إلا شيء ضئيل،  ولقد وسعه علم الله بيسر لأنه تعالى  رب العرش.

وسع كرسيه السماوات والأرض . أي وسعت علومه ماهو أكثر من السماوات والأرض.  وهكذا .

وتقول ((  ثالثًا: النصوص الواردة في الصفات تمر كما جاءت ويؤمن بها وتصدق، وتصان عن تأويلٍ يفضي إلى تعطيل، وتكييفٍ يفضي إلى تمثيل، وذلك أن الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، يحتذي حذوه، ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية.
ا . هـ  ولاخلاف.

ثم قلت (( : الكلام من حيث قبوله للتأويل من عدمه أقسام:
الأول: ما هو نص في مراد المتكلم لا يقبل محتملا  غيره، فهذا يستحيل دخول التأويل فيه، وهذا شأن عامة نصوص القرآن الصريحة في معناها، كمثل أنه سبحانه يأمر وينهى، وكل يوم هو في شأن، ويسمع ويرى، فعّال لما يريدفهذا القسم إن سلّط عليه التأويل عاد الشرع كله مؤولًا أو قابلًا للتأويل، وما كان في المستطاع إقامة حجةٍ على مبطل أبدًا!
الثاني: ما هو ظاهرٌ في مراد المتكلم وإن احتمل أن يريد غيره، فهذا يُنظر في وروده، فإن اطرد استعماله على وجه استحال تأويله بما يخالف ظاهره، لأن التأويل إنما يكون لموضعٍ جاء خارجًا عن نظائره، فيؤول حتى يرد إلى نظائره، وهذا هو المعقول في الأذهان وفي الفطر وعند كافة العقلاء.)) ا . هـ

وتطبيقا لماسبق : فلو أردنا  فهم نص مثل: ذو العرش المجيد، في سورة البروج،  فظاهره أنه يتكلم عن مجده، وعرش مجده وعزه،  وإن احتمل أن يراد به أنه ذو بمعنى صاحب العرش أي مالك هذا المخلوق،  مثل (فلان ذو مال) فننظر ( ولابد أن الصحابة لم يفتهم ذلك النظر)  في اطراد الاستعمال القرآني،  لنجد الوجه الذي ثبت عليه،  فنجد الله  لايقول مطلقا أنه (ذو) شيء من الخلق، بل ذو تضاف دائما لصفات ربانية، فالله في القرآن هو ذو الطول وهو ذو الرحمة، وهي صفات لامخلوقات،  ولايصح القول أنه تعالى هو ذو البيت أو ذو الرسل أو ذو السماوات، ولا ذو النار وإن كان ذا عقاب وانتقام  بلفظ المصدر المطلق، وحتى لو كانت النار (من آثارانتقامه)، ولا ذو الجنة وإن كان ذا الرحمة وحتى لو كانت الجنة من ( آثار رحمة الله) .. فمما هو ظاهر في مراد الله ربنا تبارك وتعالى  من معنى لفظ العرش أولا أنه صفاته أو تجليه تعالى بصفاته،  قبل أي معنى آخر للعرش لأنه تعالى اطرد استعماله لإضافة لفظ (ذو) إلى صفاته وقدراته وشئونه الخاصة فقط، فيما مايتعلق بالله تعالى .. فالله تعالى يقول: ذو الجلال والإكرام، ويقول : إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب، ويقول وربك الغني ذو الرحمة، ويقول : أليس الله بعزيز ذي انتقام ؟؟ ويقول، شديد العقاب ذي الطول.. ويقول : ذو الفضل العظيم، ويقول: من الله ذي المعارج،  ذو القوة المتين.  والمعارج  وهي إتمام النعمة، أو: هي الفواضل والنعم،  وهي هي فيض الرحمات التي تأتي الرحمة منها أعلى مما قبلها وأتم، وليس شيء من ذلك بالمخلوق،  لا مبدأ عظمة الجلال والانت

المزيد


الرد الثالث لمنتدى التوحيد

مايو 15th, 2010 كتبها فتحي عبدالسلام نشر في , حوار منتدى التوحيد

الرد الثالث لمنتدى التوحيد

 

الحمد لله الذي أنزل القرآن بلسانٍ عربيٍّ غيرِ ذي عِوج، الحمد لله أرسل رسوله بالهدى وأعطاه جوامع الكلم، الحمد لله جعل لأهل السنة نسبًا للحقِّ غير مؤتشب، وأقام على الحق البراهين كالنُّجُم، وأخلى المبطلين من صلةٍ للعلم بسبب، فالحمد بعد الحمد لله!

ونشهد ألّا إله إلا الله وحده، تفرّد بالملك، وله الخلق والأمر، وكلُّ يوم هو في شأن، أقرّ بالضعف عن إدراك حكمته العقلاءُ، وعجز عن إدراك الثناء عليه الفصحاءُ، بكرمه أنعمَ على عباده فلم يحصوا لنعمائه عدًّا، وبفضله غفر للتائبين وإن جاءوا شيئًا إدًّا، فانظر إلى آثار رحمة الله!

ونشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيُّه من خلقه وخليله، أرسله ربنا بالهدى ودين الحق، وأظهره على الدين كله، ولم يقبضه حتى أقام الملة العوجاء، ففتح به أعينًا عميا، وآذانًا صمّا، فما أشقى من أعرض عن هديه، واحتذى على غير نهجه، يشقى في الواضحات بعقله، ما أشقاه!

ونعلم أن الصحابة كانوا خير أمةٍ أخرجت للناس، عاصروا الوحي، ولازموا النبي، وأقاموا اللسان، وزايلوا العُجْمة، وفهموا الحجة، وتُركوا على المحجة، وقاموا بواجب البلاغ، وآذنوا بالعداوة من زاغ، ونعلم أن التابعين خير قرنٍ بعدهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، فنحن نسعى على آثارهم، ونقتفي أثرهم، سائلين الله الهداية والثبات حتى نلقاه!

وبعد ..
فسلام الله عليك ورحمته وبركاته..

المهندس الكريم فتحي، أظنك تتفق معي على أن الخوض في الجزئيات يطول جدًّا، خلّ عنك الانشغال ببنيات الطريق فضلًا عما ليس من الطريق أصلًا!

ولذا سأضع خطوطًا عامة مما أعتقده وأنطلق من خلاله، مما هو مبثوث في كتب أهل العلم في القديم والحديث، ثم أرد من خلال ذلك على ما ذكرته من جزئيات، وسأعطي الجزئيات ما تستحقه مما تختص به إن كان، ثم بعد ذلك أرجو أن يتوجه كلامك إلى المراد من محل النقاش في الحوار، وعلى الأخص إلى الخطوط العامة لا الجزئيات.

أولًا: الألفاظ نوعان :
نوعٌ مذكورٌ في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع، فهذا يجب اعتبار معناه وتعليق الحكم به، فإن كان المذكور به مدحًا استحق صاحبه المدح، وإن كان ذمًّا استحق الذم، وإن أثبت شيئًا وجب إثباته، وإن نفى شيئًا وجب نفيه، لأن كلام الله حق، وكلام رسوله حق، وكلام أهل الإجماع حق.
والثاني : ألفاظ ليس لها أصلٌ في الشرع فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم، والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه يوافق الشرع، والألفاظ التي تُعارَض بها النصوص هي من هذا الدرب، كلفظ "الجسم" و "الحيز" و "الجهة" و "الجوهر" و "العرض" و "التركيب" و "الجارحة" و "التكثر" وغيرها من ألفاظ دخلتنا من الفلسفة وعلم الكلام.

ثانيًا: حيث إنّ القرآن الكريم قد نزل بلسانٍ عربيٍّ مبين، والسنة النبوية مبينةٌ للقرآن الكريم، وكلاهما يهدي للتي هي أقوم، فالواجب إجراء النصوص الواردة على ظاهرها، إذ إن هذه النصوص وردت بأفصح وأبلغ وأبين لفظ، لتدل الناس على المعنى الذي فيه صلاح قلوبهم، وصفاء معتقدهم، وكمالُ علم المتكلم وفصاحته ونصحه يمنع أن يريدَ بكلامه خلافَ حقيقته، وتيسير القرآن للذكر ينافي حمله على غير ظاهره، وظاهر الكلام هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع، وقد يكون بسياق الكلام.

ثالثًا: النصوص الواردة في الصفات تمر كما جاءت ويؤمن بها وتصدق، وتصان عن تأويلٍ يفضي إلى تعطيل، وتكييفٍ يفضي إلى تمثيل، وذلك أن الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، يحتذي حذوه، ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية.

رابعًا: الكلام من حيث قبوله للتأويل من عدمه أقسام:
الأول: ما هو نص في مراد المتكلم لا يقبل محتملًا غيره، فهذا يستحيل دخول التأويل فيه، وهذا شأن عامة نصوص القرآن الصريحة في معناها، كمثل أنه سبحانه يأمر وينهى، وكل يوم هو في شأن، ويسمع ويرى، فعّال لما يريدفهذا القسم إن سلّط عليه التأويل عاد الشرع كله مؤولًا أو قابلًا للتأويل، وما كان في المستطاع إقامة حجةٍ على مبطل أبدًا!
الثاني: ما هو ظاهرٌ في مراد المتكلم وإن احتمل أن يريد غيره، فهذا يُنظر في وروده، فإن اطرد استعماله على وجه استحال تأويله بما يخالف ظاهره، لأن التأويل إنما يكون لموضعٍ جاء خارجًا عن نظائره، فيؤول حتى يرد إلى نظائره، وهذا هو المعقول في الأذهان وفي الفطر وعند كافة العقلاء.
ومثال هذا اطراد النصوص بالنظر إلى الله تعالى هكذا "ترون ربكم" "تنظرون إلى ربكم" "إلى ربها ناظرة" ولم يجئ في موضع واحد: ترون ثواب ربكم، فيحمل عليه ما خرج عن نظائره!
الثالث: الخطاب بالمجمل الذي أُحيل بيانه على خطاب آخر، فهذا أيضًا لا يجوز تأويله إلا بالخطاب الذي يبينه، وقد يكون بيانه معه، وقد يكون بيانه منفصلًا عنه.
والمقصود أن الكلام الذي هو عرضة التأويل أن يكون له عدة معان، وليس معه ما يبين مراد المتكلم، فهذا التأويل فيه مجال واسع، وليس في كلام الله ورسوله منه شيء من الجمل المركبة.

خامسًا: الفرق المبتدعة " تتأول كل ما يخالف نحلتها وأصلها، فالمعيار عندهم فيما يتأول وما لا يتأول هو المذهب الذي ذهبت إليه، ما وافقها أقروه ولم يتأولوه، وما خالفها تأولوه"، "وكلام شيوخهم وتصنيفهم عندهم نص في مرادهم لا يحتمل التأويل، وكلام الموافقين عندهم نص لا يجوز تأويله، حتى إذا جاءوا إلى كلام الله ورسوله وقفوه على التأويل"، فهم احتكموا إلى عقولهم وأئمتهم، ثم حكموا بذلك على نصوص الشرع، بينما الحق الذي لا شك فيه أن الحكم لله!

والآن سأشرع في تناول ما تطرقت إليه من جزئيات من خلال ما سبق، فإن كان ثمّ خلاف فلترده إلى الأصول لنقف على أصل الخلاف، أسأل الله التوفيق والسداد:

غابة النصوص!

تأملتُ قولك (هكذا يتبين في غابة النصوص سبيل للسلوك والجمع بينها)، ورددت النظر فيه كَرةً بعد كرة، فوجدته وصفًا كاشفًا لحالك مع النصوص، فأنتوفقك الله – تنطلق من فكرةٍ مسبقة، ثم تقف أمام النصوص تحمل في قلبك بقيةً من تعظيمها، ويتبادر إلى ذهنك ظاهرها، فتأبى عليك الفكرة المسبقة ما تبادر، فتتلمس في خطواتٍ حذرة على طريق وعرة مُشقة، حتى تقف على سبيل السلوك!! وأسفتُ كثيرًا!

فإنّ الله تعالى أنزل القرآن مُبينًا، يهدي للتي هي أقوم، ويسّره للذكر، فضرب للناس طريقًا واضحًا، ومنهجًا لائحًا، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيّ عن بينة، وكان أولى ذلك بالوضوح، وأحقه بالظهور هو صفات الله وكماله، ومقتضيات أسمائه ونعوت جلاله، يعرفها العاميّ والعالم، ويدركها الغُمر والبحر، فما بالك جعلتها سبيلًا في (غابة!)، واعتسفتَ على نفسك، وأجهدتَ من خلفك، واضطبنتَ التبديل، إذ اضطررتَ إلى التأويل؟!

فهل يقوم في ذهن العربيّ عندما يسمع ظاهر النص، أن "عرش" الملك هو "صفات عزه"، أو أن "عرش" الملك هو "الملك نفسه"، وأن "عرشه على الماء" تعني أنه "عمد إلى خلق الأحياء"، و أن "صفات الرسول الكريم" هي "ظل عرش الرحمن"، فاستحلفتك بالله أهذا هو لازم الوضوح، ومقتضى التبيان، وموجب البلاغ، وظاهر النصوص، والمتبادر للأذهان؟!

فامدد إلى الصحابة بسبب!!

تقول في حق الصحابة رضي الله عنهم (وأرى أن ما أسلفت بيانه كان هو المتبادر لأذهان قوم منقوعين في عطر القرآن، ولم يلزمهم الكتابة ولا التأليف فتصورتم أنهم لم يعوا تأويلا.)، وتقول إنهم ( ولم يتكلموا كثيرا ولو كتبوا لكتبوا رضي الله عنهم مجلدات على غرار ما قلت) وتقول (عند الصحابة الكرام كان العرش الذي استوى الله عليه والذي هو من صفاته تعالى، مميزا عن عرش هو من عالم الآخرة على سبيل الظلية)اهـ.

فلو كان الأمر على ما قلتَ، لبلغنا عن الصحابة رضي الله عنهم هذا البيان، كما أبنتَ عن نفسك في عشرين صفحةٍ أو يزيد، ولكانوا رضي الله عنهم أحقّ الناس بتعليم الناس تنزيه الله وتسبيحه، إن لم يكن بالكتابة فبالرواية، وإن لم يكن بالتصنيف فبالتلقين، وهذا حقّ الأمة عليهم، ومقتضى النصيحة لله ولرسوله ولعامة المؤمنين وخاصتهم، بل إنه من تمام حفظ الذكر، وإظهار الدين!

فهل هناك نصّ عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه (وصفة شمول التدبير وإحكام توصيل الفيض اسمها رب العرش)، أو فيه أن العرش هو (مجموع الصفات)، أو فيه أن معنى (رب العزة كرب العرش تمامًا)، أو أن العرش نوعان (العرش الحق وهو صفات الله، وعرش جلالي هو ظل العرش الحق)، وأن (كانت صفات رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ظلا لعرش الله تعالى)، وأن عروج الملائكة هو (تحقق المهام وتنجز القضاء وإنجاز أوامر الله)، كما أبنتَ وأظهرت معتقدك وعقيدتك؟؟

وتقول ( لو صح قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين قال : "العرش فوق الماء" فهو يقصد ( على ) كما في القرآن، وهي عنده استواء الله إلى الماء ليخلق الحياة) فليت شعري أعجز ابن مسعود عن الإفصاح عن المراد من أنه استواء الله إلى الماء ليخلق الحياة؟!

ألم يعلم الأصحاب قول النبي عليه السلام (لما خلق الله الخلق كتب في كتابه وهو يكتب على نفسه وهو وضع عنده على العرش أن رحمتي تغلب غضبي)، فيخبرونا بما ذكرتَ في فحوى قوله (وهو وضع عنده على العرش أن رحمتي تغلب غضبي) أنّ (الفحوى أن اسمه الرحمان الرحيم هو جماع صبغة الصفات، وخلاصة الفاتحة، وهو ما كتب الله عند فاتحة الخلق)؟! أتراهم قصروا في البلاغ؟!

فإن عدمتَ أيّ نص عن الصحابة في هذه المسائل، يقولون فيه بمثل قولك، وهم العدول الأثبات، والحفاظ الثقات، والفصحاء البلغاء، والمبلغون الأمناء، فلا ريب أن هذه علامة أكيدة، ودليل باهر، وبرهان ساطع، على أن ما ذكرتَ ليس مما اعتقدوه، إذ لو كان كذلك لبلّغوه!

بل هم رضي الله عنهم العلماء المرشدون!

لقد تتابعت عليك الأقوال، من قول أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها لزوجها المصطفى صلى الله عليه وسلم (زوجنيك الرحمن من فوق عرشه)، ثم قول ابن عباس رضي الله عنه لعائشة رضي الله عنها (وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات)، ثم قول الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها في مقتل عثمان رضي الله عنه (علم الله فوق عرشه أني لم أحب قتله)، ومن قبلُ قول الفاروق لخولة عليهما الرضوان (هذه امرأةٌ سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات)، ثم قوله رضي الله عنه (إنما الأمر من ههنا!) وأشار إلى السماء، تتابعت عليك فماذا قلتَ فيها؟!

قلتَ (هي لغة البشر للتفهم)! وقد نقلتَ قول الرازي (فنقول: السبب في هذا الكلام هو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفونه)!

أبيني لنا إنّ الصّريمة راحةٌ *** من الشكّ ذي المخلوجة المتلبّس!

ماذا تريد أن تقول من وراء هذا؟! وما يريد الرازي من قبلك؟! أتريد أن تقول كما قال ابن سينا (ما كان يمكن لموسى ابن عمران مع أولئك العبرانيين، ولا يمكن لمحمد مع أولئك العرب الجفاة، أن يبينا لهم الحقائق على ما هي عليه، فإنهم كانوا يعجزون عن فهم ذلك، وإن فهموه على ما هو عليه انحلت عزماتهم عن اتباعه)؟؟! أهذا هو المراد أم ماذا يرحمك الله؟؟ أجزم أنك لا ترضيك هذه الحطة من شأن الصحابة عليهم الرضوان!

وما تريد من قولك (هي لغة البشر للتفهم)، ألسنا من البشر؟؟ فما يضرنا أن نقول بما يقول البشر، وأن نعتقد ما يتبادر إلى الذهن من ظاهر فعل وكلام البشر، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولو كان هذا القول من عمر رضي الله عنه وتلك الإشارة، لو كانا يحملان لنا معشر البشر معنى العلو كما يتبادر إلى الذهن، فلمَ لم يبادر عُمر بنفي هذا المتبادر إلى أذهان الناس؟؟ وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فكيف بعدم البيان أصلًا؟!

ظلمتني .. ثم ظلمتَ العامة مرتين!

تقول (تناقض الادعاء بأن ما بينته متكلف وبعيد واستعارات واسعة وأنه ليس فيه ما يبعد عن فهم العامة)اهـ.

إنما أتاك التناقض من فهمك لا من قولي، فالذي أريد قوله أنّ معنى أن الله يسمو في سماء المجد، معنى – في حد ذاته – واضح لا غبار عليه، يفهمه العامي بالعبارة المُفهمة المعبرة عنه، ويتبادر إلى ذهنه المعنى المراد إن قلنا له "الله يسمو في سماء المجد"، فما الداعي لعدم مخاطبة العوام بهذه المعاني في ألفاظ صريحة، والإتيان بها مخبوءة في ظلال نصّ لا صلة بين ظاهره أو باطنه وإياها؟!!

والمَظلمة الثالثة أنّ العامي لا يفهم من ظاهر النص ما تفهمه أنت، فلا يفهم أن "العرش" تعني مجموع الصفات أو الفيوضات، لأن ظاهر الكلمة وباطنها ليس فيه شيءٌ من هذا المعنى على الحقيقة! ولعل ذلك يفضّ ما اشتبك في ذهنك من تناقض متوهّم ظلمتني به وظلمت العامة مرتين!

هذا .. ما اسمه؟!

تقول في محاولة لجعل البخاري ممن يفسر العرش بالعزة، تقول (البخاري لما وضع عنوانا مقدمة لهذا الحديث عن العرش قال: "باب قوله تعالى: وهو العزيز الحكيم"، وقوله: "سبحان ربك رب العزة عما يصفون"، وقوله: "ولله العزة ولرسوله"، فما المناسبة عند البخاري بين الأمرين سوى أنه يتكلم عن صفة الله: (رب العرش) مساويا العرش بالعز مبينا أن العرش ليس بمخلوق، وأن لفظ:رب، لم يرد مقرونا بصفة الله إلا في: رب العزة، ورب العرش. فأراد البخاري بيان عقد هذه الصلة هنا، ليبين اعتقاده أن رب العزة هو هو رب العرش، وبالتالي فعرشه هو عزه. وأكد ذلك بتعزيز الآيات للحديث.)اهـ.

ففهمتُ من كلامك أن هذا الباب، (باب قوله تعالى "وهو العزيز الحكيم")، قد أورد البخاري تحته حديثًا عن العرش، فهمتُ هذا من كلامك، فذهبتُ لأتأمل (بعمق الضراعة، ودموع اللوعة شوقا للهداية، مصليا على نبي الله محمد) صلى الله عليه وسلم كما أردتَ، فلم أجد في الأحاديث ذكر العرش رأسًا، فقلتُ لعله سقطٌ في المتن! فذهبت إلى الشروح فكانت كالمتون، فقلتُ لعله وهمٌ في الشرح، فذهبت إلى الشروح المفردة لكتاب التوحيد من صحيح البخاري، فوجدتُ الأمر كما كان في المتن وفي الشروح، فلم يرد ذكرٌ للعرش في هذا الباب أصلًا!

وتسأل عن السبب!

تسأل (وكيف أنطلق في اعتقاداتي عن العرش من عقلي وليس في العقل عروش لازمة ولا حملة العرش من البديهيات الضرورية، بل هو سماع من الله ورسوله، وهو شيء من الكتاب والسنة مبني على تصديق القرآن)اهـ.

والجواب من كلامك، ومما طالبتني بالتأمل فيه من قول الرازي في حتمية التأويل (لا يمكن أن يكون المراد منه أن الله جالس في العرش وذلك لأن كل من كان حاملا للعرش كان حاملا لكل ما كان في العرش فلو كان الإله في العرش للزم الملائكة أن يكونوا حاملين لله تعالى وذلك محال، لأنه يقتضي احتياج الله إليهم، وأن يكونوا أعظم قدرة من الله تعالى وكل ذلك كفر صريح، فعلمنا أنه لا بد فيه من التأويل)اهـ.

فكما ترى، الرازي تصوّر أن إثباتنا علو الخالق تعالى على خلقه، واستواءه على عرشه، ومجيئه في سلطانه وعزته، والملائكة يحملون عرشه، تصوّر أن هذا يعني أن حمل الملائكة لعرش الرحمن، كحمل الغلمان لعروش سلاطين الدنيا الزائلة، يلزم منه احتياج الله لحملة عرشه، أيّ أنه وقع في التمثيل ابتداءً، ثم أراد أن ينزّه الله عن هذا التمثيل الذي أتاه من عقله، فوجد أن التأويل لا بد منه!! وهكذا ما عطّل إلا ممثّل!!

فنحن نؤمن بأن الله تعالى يحمل العرش وحملة العرش بقدرته، وأن الملائكة يحملون العرش كما ثبت بنص القرآن الكريم، ولا نقع في القول بكيفية كالآدميين ولا تمثيل بأحوال البشر، فنزعم أن ذلك يستلزم الاحتياج، وليس بلازم، وعليه فالتأويل ليس بلازم!

وهاهو مثالٌ آخر مما نقلته عن الرازي في قوله تعالى(تعرج الملائكة والروح إليه)، يقول: (عروج الملائكة وصعودهم إليه، وذلك يقتضي كونه تعالى في جهة فوق، والجواب: لما دلت الدلائل على امتناع كونه في المكان والجهة ثبت أنه لا بد من التأويل)اهـ.

فمن أين جاء بدعوى امتناع الجهة والمكان هكذا بإطلاق، وهي ألفاظٌ لم يتوجه إليها الأصحاب بنفي ولا إثبات، فالواجب فيها التفصيل كما سبق البيان، فما كان على مراد حقٍّ أثبتناه، وما سواه أسقطناه.

والحاصل أن هذا هو المقصود بمحاكمة النصوص إلى العقل، فالعقل يرى أن حمل العرش يقتضي الاحتياج، وليس كذلك، فيلجأ إلى تأويل النصوص، ويرى أن المكان والجهة يمتنعان مطلقًا وبكل اعتبار، فيلجأ إلى

المزيد


رد المهندس فتحي على منتدى التوحيد 2

مايو 3rd, 2010 كتبها فتحي عبدالسلام نشر في , حوار منتدى التوحيد

بسم الله الرحمن الرحيم .الحمد لله  رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين.

حضرة صاحب الرسالة المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بالنسبة لعقائد الصحابة فأحمد الله وأصلي على نبيه وأتضرع إلى الله أن يتوفاني في العقيدة والعمل على ما توفى عليه أبا بكر الصديق، وأعوذ بالله من كل عقيدة غيرها، أعلن هذا أمام حضرة الله وعلى ملأ من الأشهاد قبل أن  أستهل مناقشتي..

 لقد استبشرت بمطالعة جزء من ردكم خاصة قد يقربنا من بعضنا جدا، وذلك عندما وجهت الكلام إليّ عن قضية نسبة الجهة لله تعالى قائلا: وأنا هنا أقتبس نصكم كله. 

فما قلته حضرتك عن إثبات الجهة والمكان لله تعالى مما لم يرد في النص ولم ينطق به الشرع نفيًا ولا إثباتًا ، فنحن كذلك لا ننفي ولا نثبت الجهة أو المكان إلا بعد معرفة المعنى المقصود بهذه الألفاظ على وجه الدقة ، فأنت إن كنت تقصد بالمكان شيئًا مخلوقًا ، فإن الله سبحانه وتعالى ليس في شيء من مخلوقاته ، والمخلوقات لا تحده ولا تحتويه ، بل هو خارج هذا العالم المخلوق تمامًا ومباين له ، أما إن كنت تقصد بالمكان أنه تبارك وتعالى له وجود حقيقي خارج هذا العالم لا داخله ، فهذا ثابتٌ لله تعالى كذلك الجهة يا سيدي الفاضل ، فإن كان المقصود بها شيئًا مخلوقًا فهذا لا يجوز في حق الله عز وجل ، أما إن كان المقصود بالجهة علو الله فوق مخلوقاته فهذا معنى صحيح ثابت لله سبحانه وتعالى . وعامة من ينفي عن الله الجهة والمكان والحيز وغيرها إنما تلتبس عنده المعاني الباطلة بالمعاني الصحيحة لأن هذه ألفاظ تحتمل الحق والباطل ، ولم يرد بها الشرع نفيًا ولا إثباتًا ، لهذا وجب التفصيل عند الكلام عنها ؛ فإذا أريد بالمكان العلو فالمعنى صحيح ، وإن أريد به مكان ما بين المواقع فهو خطأ لا يجوز ، كذلك الأمر في الجهة . وبغض النظر عن كون الجهة صفة وجودية أو نسبة عدمية ، فقد أعطيت حضرتك خلاصة الأمر بعيدًا عن "تعقيدات" الفيزياء .انتهى كلامكم.

كلام جميل، أزال الله مابيننا من اختلاف بفضله.. مع ملاحظة خفيفة أن الأين المكاني المعهود مخلوق لايجوز في حق الله، وفعلا المراد بالمكان اللائق بالله لو جاز التعبير هو العلو، والمكان هنا هو تعبير عن (الكينونة التي هي وجود حقيقي ) وهو علو مطلق لايرتبط بحيز مخلوق، وعندما أتساءل مع أولادي وهم يتكلمون عن حيرة في مشكلة، وأقول لهم: وأين الله؟؟ لاأكون متسائلا عن ( أين مكاني فضائي) لأن الفضاء مخلوق كله بكل أبعاده الثلاثة. والمؤمن دائما يعرف أين يجد ربه، وعندما يتوجه إليه يجده فعلا. ويعلم أن عمله الصالح ( عند ربه ) في الحفظ والصون.  

وكما قلت َ فالله تبارك وتعالى له وجود حقيقي خارج هذا العالم لا داخله.

لكن أذكرك أنه مع قولنا أن الله متربع على عرشه، فلايمكن القول: أنه تعالى ليس على الأرض. ومع العلم أن كلمة خارج  العالم ليست تعيينا لمكان ولا لفضاء.

الصحابة والوعي بالعرش

يقدس القرآن الله عما يصف الواصفون.. ولاذكر لكلمة ( صفة الرحمن ) في الصحيح غير حديث عائشة  ( فتح الباري جـ13 /7375) عن تعبير صحابي يقول عن سورة الإخلاص أنها: صفة الرحمن. وماجاء في التراث الإسلامي بعد ذلك عن ( الصفات ) فهو مصطلح يجب الحرص عند استعماله،  ولا تلصق كل إضافة للفظ الجلالة إلى تفسير حديدي يقول ( بما وصف الله به نفسه)، ويقصدون ذاته العلية ثم يشتقون مصطلح: صفات الذات، ثم يجعلون لذات الله الجوارح كالأقدام وتعالى الله تعالى الله ..

وهاأنت ترى أنك قد تضيف للذات صفة :الحقو ( وهو منطقة الحوض أو معقد الإزار) وحاشا لله،  فتجعل لله خصرا وحاشاه، وذلك من فهم خطأ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه ( فتح الباري جـ8 /4830) أنه : خلق الله الخلق فلما فرغ قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال له: مه، قالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال ألا ترضين .. ؟؟ الحديث. فالحديث تعبير مفعم بالبلاغة عن خطورة قطع الرحم، والفهم الصحيح للنص أن الرحم تعلقت بالرحمانية، وتشبثت بها كما تشتبك الشجنة ببعضها، والشجنة هي عروق الشجر المشتبكة، وتلك الاستنارة تأتي أيضا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حديث أبي هريرة: ( فتح الباري جـ10 /5988) أن : الرحم شجنة من الرحمان، فقال الله: من وصلك وصلته… الحديث, أي أن اسم الرحم مشتق من الرحمن، فتشبثت الأرحام بدعاء الله، كتشبث اسم الرحم بلفظ الرحمن، وهو معنى : شققت لها اسما من اسمي.

 وكأن حروف (رحم) بالنسبة  لحروف (الرحمان) تقوم مقام الحقو أو الخصر من الجسم الكامل، الذي هو حروف لفظ ( الرحمان): حيث يكون رأسه وصدره هو (ألـ) للشمول والعهد والاستغراق، وحقوه هو (رحم ) وقدماه هما ( الألف والنون) للامتلاء والفيضان وقوة الفوران .. أو يكون الحق هنا أن الحقو من السهم ريشه، والريش هو أذيال السهم، فالتعلق بالحقو بهذا الفهم هو استعارة للتعلق بالأذيال، فالرحم قامت وتعلقت بأذيال الرحمة، وهوبمثابة التعلق بأذيال أستار الكعبة، ومن تعلق بأستار الكعبة تعلق بأذيال رحمة الله.

وهو نفسه معنى أن: الرحم معلقة بالعرش وليس الواصل كالمكافيء.

فهو معنى واحد لاغير يجمع التعلق بالعرش والتعلق بحقو الرحمان أي بالرحمان أي بالرحمانية، أي بصفة الله .. وهو معنى أن العرش = صفات الله تعالى،  والتي تتلخص تجلياتها في: الرحمان الرحيم .  

وعند تفهم عن النبي صلى الله عليه وسلم متحدثا عن بدء الخلق والعرش، كما هو حديث عمران بن حصين في البخاري  ( فتح الباري جـ6 /3190) : فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يحدث بدء الخلق والعرش. فلتحذر يا أخي من التسرع في الاستنتاج، فلقد أدرك عمران رضي الله عنه عموم الكلام ولا يشترط أن نفهم منه أن الترتيب كان قد روعي بالتفصيل.

ويشوش البعض من الناس على نفسه عندما يستنتج ترتيبا ويتصوره محتما من حديث آخر لعمران بن حصين رضي الله عنه :كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض، فنادى مناد.. الحديث. ( فتح الباري جـ6 /3191) فيجمع عبارة :كان الله ولم يكن شيء غيره، مع عبارة: وكان عرشه على الماء، على أن كل ماذكر بعدهما فقد حدث لاحقا، وهو : وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض، فيتخيل أن العرش كان على الماء كوضع مسبق لخلق السماوات، وأن خلق السماوات والأرض كان لاحقا.

هذا وهم من القراءة، والحديث يجمع أمور الخلق بعد أزلية الله دون ترتيب، ولكن آية فصلت ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان) تبين أن استواء الله لعمل ما في الخلق يسبق استواءه تعالى لعمل تال، ولذلك استوى الله بأمره، للسماء وهي دخان، وكان باستوائه على عرشه كأن عرشه على السماوات، أي توجهت أوامره وكلمات التكوين لتخليق السماوات والأرض من الدخان، بعد أن سوى الدخان تسوية، وفتقه تعالى كمادة خلق أولى تبدأ في تطورها كالجنين حتى تستوي سماوات وأرضين . والماء جزء من كيمياء السماوات والأرض.  وآية هود تبين أن أوامر الله توجهت نحو خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وبعد ذلك كان عرشه على الماء، أي : وكان التالي أنه تعالى استوى إلى الماء وهو ماء بلا حياة، فقال له: فلتكن منك الحياة. 

ويساعدك على الاتجاه لهذا الفهم أن تتدبر قول عمران رضي الله عنه بنص: يحدث بدء الخلق1 والعرش2.. فلو كان كلاهما مخلوقا كالوهم الشائع،  وأن العرش وجد مخلوقا ثم بدأ الخلق بعده، لقال : يحدث العرش1 وبدء الخلق2، هذا لو كان ترتيب المخلوقات مقصودا في نص حديث عمران  رضي الله عنه. 

وفي سورة يونس ( ثم استوى على العرش يدبر الأمر) فيفسر الله قوله:استوى الله على العرش، بقوله فورا: يدبر الأمر.. أي تجلت صفاته تعالى عاملة في الكون بعد خلقه. وصفة شمول التدبير وإحكام توصيل الفيض اسمها رب العرش.  

إذن فالله ربنا بصفاته العلى يدبر الأمر، فلنبن على ذلك أن كل مسافة تجريها الأجرام، وكل زاوية تدورها كل الأراضي، وكل الشموس في دورانها وجريانها فهي بإذن ومقدار، وهو معنى  آية الرعد: ( ثم استوى على العرش؛ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى؛ يدبر الأمر ) ولايصح إذن أن يفهم أحد خطأ من رواية أبي ذر عن نبي الله صلى الله عليه وسلم  ( فتح الباري جـ6 /3199) أن الشمس بعد أن تغرب تذهب حتى تسجد تحت العرش فستأذن فيؤذن لها .. فيفهم حرفيا وبظاهر من القول أن الشمس تغادر المجموعة الشمسية بعد الغروب وتعرج وتخترق السماوات السبع والماء،  أو تتوقف تحت الماء  تحت ىالعرش وتستأذن ثم تعود من معراجها عند الصباح. لأن علم الفلك ينص أن حركة الغروب دائمة على الأرض بلا انقطاع كل لحظة، ليس فيها فترة لاشروق فيها أو لاغروب. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين بأسلوب عال عال بليغ بليغ خضوع حركات الشروق والغروب لتدابير الله وإذنه، ودوام قيوميته،  وخضوع الكون لقوانين الله الحي وفعله، لالميكانيكية الظاهر الموهومة. 

وفي نفس النطاق سنفهم حديث أبي هريرة من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( فتح الباري جـ13 /7404) ( لما خلق الله الخلق كتب في كتابه وهو يكتب على نفسه وهو وضع عنده على العرش أن رحمتي تغلب غضبي)

فليس قوله: لما خلق الله الخلق كتب ، أن كتابة حصلت بعد الانتهاء من الخلق، بل المعنى أنه لما حدث الخلق كان الله من قبله  قد قضى في قضائه سبق الرحمة، واختار هذا بكماله، وتفضل فقدر بموجب جماله، وهو معنى:  كتب في كتابه.

وصيغة المضارعة في قوله:  وهو يكتب على نفسه، تعني أنه الآن لازال شأنه كما كان، كاتبا ذلك وهو شأنه الأزلي،  يؤكده قوله: وهو وضع عنده على العرش أن رحمتي تغلب غضبي، والفحوى أن اسمه الرحمان الرحيم هو جماع صبغة الصفات،  وخلاصة الفاتحة،  وهو ماكتب الله عند فاتحة الخلق، فتنطبق فاتحة فاتحة الكون على فاتحة فاتحة القرآن. 

ثم تأمل بعمق الضراعة، ودموع اللوعة شوقا للهداية، مصليا على نبي الله محمد أن البخاري لما وضع عنوانا مقدمة لهذا الحديث عن العرش قال: باب قوله تعالى: وهو العزيز الحكيم، وقوله: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وقوله: ولله العزة ولرسوله. فما المناسبة عند البخاري بين الأمرين سوى أنه يتكلم عن صفة الله: (رب العرش) مساويا العرش بالعز مبينا أن العرش ليس بمخلوق، وأن لفظ:رب، لم يرد مقرونا بصفة الله إلا في: رب العزة، ورب العرش. فأراد البخاري بيان عقد هذه الصلة هنا، ليبين اعتقاده أن رب العزة هو هو رب العرش، وبالتالي فعرشه هو عزه. وأكد ذلك بتعزيز الآيات للحديث.       

ولوعي عقائد الصحابة جيدا فلدينا خزانة ثناء الله عليهم، ومعنى الثناء أن القرآن كان نسيج خلايا مخ كل منهم، وتصير كل آية في القرآن كتقرير عن عقائدهم، وكان رسولهم قرآنا يمشي على قدمين، صلى الله عليه وسلم، وكانوا هم بمثابة جوارحه، فكانت آيات القرآن تروي أحشاءهم بمادة الحياة.

 الصحابة رضوان الله عليهم كانوا في الوعي عن الله أفراس السباق السابقة، ولقد تنـزى قلبي ماهو بمثابة الدم وأنت تسقط كلامي عن كسالانا عليهم، وتضعني في صورة من يتنقصهم. فلتخسف بي كل أرض لو كنت أتهم الصحابة أنهم لايفهمون جلال الله وجماله وتوحيده. وتعال نحاول أن نقدرهم.

لايصح الاستهانة بالفاتحة وكنوزها، عندما يقرؤها أنقى خلق الله، وأعلمهم بالعربية،  وأقربهم لتشرب أسرار الله من رسولهم، ولاشك في تلك الفيوض والسكينة الرائعة، التي كان الله يجدد للصحابة بركاتها في صلواتهم وهم يتهجدون بكتابه، ويهبهم كلما خشعوا من ثمارها مالم يكتبوه،  ولكنهم كانوا يستهلكونه وقودا لسعيهم وجهادهم وتفانيهم في ربهم. فلايغرنك قلة شروحهم.

كانوا قليلي الكلام كثيري العمل ولايجوز سوء الظن بهم، وتطبيق صفات كسالى المتأخرين عليهم ياسيدي العالم، ولاتوقعني في الصحابة وهم سواد حبة العين مني.

وعيهم

كانوا يدركون العرش الحق، وهو صفات الله وتجلياتها على الخلق، وكانوا يدركون العرش الظلي، الذي تتجلى فيه رحمات الرحمان، من قلب المؤمن الكامل، ومن قلب محمد صلى الله عليه وسلم، إلى ظل الرحمان الذي هو تحت عرش ظلي يظل سماء الجنة ويتجلى الله فيه بقضائه ورحمته على الناس يوم العرض.

لنتأمل مايقول الإمام الرازي: في تفسير الحاقة: المسألة الرابعة: قالت المشبهة: لو لم يكن الله في العرش لكان حمل العرش عبثا عديم الفائدة، ولا سيما وقد تأكد ذلك بقوله تعالى: {يومئذ تعرضون} *الحاقة: 18* والعرض إنما يكون لو كان الإله حاصلا في العرش، أجاب أهل التوحيد عنه بأنه لا يمكن أن يكون المراد منه أن الله جالس في العرش وذلك لأن كل من كان حاملا للعرش كان حاملا لكل ما كان في العرش فلو كان الإله في العرش للزم الملائكة أن يكونوا حاملين لله تعالى وذلك محال، لأنه يقتضي احتياج الله إليهم، وأن يكونوا أعظم قدرة من الله تعالى وكل ذلك كفر صريح، فعلمنا أنه لا بد فيه من التأويل فنقول: السبب في هذا الكلام هو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفونه، فخلق لنفسه بيتا يزورونه، وليس أنه يسكنه، تعالى الله عنه وجعل في ركن البيت حجرا هو يمينه في الأرض، إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد حفظة ليس لأن النسيان يجوز عليه سبحانه، لكن هذا هو المتعارف فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله جلس إليهم على سرير ووقف الأعوان حوله أحضر الله يوم القيامة عرشا وحضرت الملائكة وحفت به، لا لأنه يقعد عليه أو يحتاج إليه بل لمثل ما قلناه في البيت والطواف. انتهى كلام الفخر الرازي رحمه الله.

فعند الصحابة الكرام كان العرش ( غير المرئي ولا المحسوس ولاهو بسرير ) الذي استوى الله عليه والذي هو من صفاته تعالى،  عندهم مميزا عن عرش هو من عالم الآخرة على سبيل الظلية، وتحته مساحة الظل المرئية التي تضم في طواياها الجنة وموقف المؤمنين في يوم الحساب. الظل الذي هو من تحت عرش ظلي، ومرئي،  وله قوائم مرئية، يمثل يوم القيامة سقف الجنة ومحراب الدعاء ومنصة التكريم . كما في حديث البخاري رحمه الله عن قول الخلق يوم المقام المشهود : ألا ترى إلى مانحن فيه، فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي، ( فتح الباري من حديث أبي هريرة جـ 8 /4712)

وكذلك حديث أنس جـ 13/7510 في فتح الباري، فأقول أنا لها، فأستأذن على ربي فيؤذن لي … الحديث.  هذا عرش الله الجلالي الذي هو ظل للعرش الكريم من صفات الله.

لماذا تخيرت تفسير الصحابي: كرسيه = علمه؟؟

الكرسي من الغيب، والصحابة لايتكلمون عن الغيب من عند أنفسهم، فابن عباس لايتكلم عن الكرسي من عنده فهو في حكم المرفوع مادام حديثا عن غيب خالص، فيعتبر حديثه أن : كرسيه هو علمه،  صحيحا.

ومن المفسرين من قال أن الكرسي هو العرش، فلو صح فالصحابة سمعوا حديثا يجعل الكرسي هو العرش، وهو مما يجعلهم يربطون حقيقة الكرسي بحقيقة العرش،  ( من صفات الله) .. فلو جمعت هذا مع بعضه، ونفيت منه حكاية أن له أطيطا كأطيط الرحل، وهو لاشك من تدخلات الوضع..  ثم تفكرت في أن الكرسي مادام معناه العلم، والعلم صفة الله،  فسيكون  الكرسي من صفات الله، إذن فهو فعلا بالنسبة للعرش (الذي هو مجموع الصفات والكمالات) سيكون كحلقة في فلاة.

 ولأن الكرسي الذي هو العلم يحوي معلومات الله وهي أوسع من علم السماوات والأرض،  فلذلك كان علم السماوات والأرض فعلا بالنسبة للكرسي الواسع كحلقة في فلاة. هكذا يتبين في غابة النصوص سبيل للسلوك والجمع بينها.  

وكان الصحب الكرام النبهاء يجمعون النصوص ويعقلونها كلما سمعوها،  وتتكامل لديهم التصورات والمفاهيم، وينفون كل مالايعقل وكل مايتناقض بصورة تلقائية، بدون أن يحدثوا ضجيجا؛  كموحدين  وكعرب خلص وعقلاء  متدبرين، ومرافقين لخير البرية وهو يعلمهم الكتاب، ويتشربون روح التحكم والحكمة، وهم يرونه يوما بعد يوم يسلك بسنته، بكل حكمة ومطابقة مع الكتاب،  واضعا كل شيء في موضعه.

قال لهم أن الجنة رحمة الله، وأنه هو رحمة الله.. فيتفكرون:  الجنة رحمة الله، ولكن الرحمة صفة الله، إذن الجنة ظل صفة الرحمة الربانية.

وتراكمت لديهم المعارف، وتركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عرفوا العرش الأصلي والعروش الظلية أو المرايا التي هي مظاهر للجلال والرحمة. 

وعرفوا العلو والسمو والسماء بكل طبقاتها، والسماء التي الله فيها والسماء التي الله ليس فيها وعلموا أنه (هو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم) الأنعام. 

الحمد والعرش

لما كانت كلمة: رب، في القرآن غالبا يتبعها ذكر شيء مخلوق، تصور بعض الناس من قوله تعالى : رب العرش، أنه بالضرورة شيء مخلوق. ولكن هناك مرة ذكر الله كلمة رب مرتبطة بصفته وهي آية الصافات : سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وهنا يجب التوقف والإعلان أن رب العزة كرب العرش تماما،  وأن العرش هو صفات الله المتعال. وأن العرش لله كالعزة له تعالى. من صفاته.

ثم نلاحظ أنه يرتبط ذكر العرش الرباني في القرآن بسياق التسبيح والحمد..

والله في سورة (المؤمنون) له اسم : رب العرش الكريم. تماما مثل رب العزة.

والله هو الأحد، وهذا هو جذع شجرة الحمد الجامع، بل الأجمع. وهذه سورة الإخلاص تلخص عرش الله الذي استوى عليه وهو عرش الأحدية. في أربع آيات جامعات. ولكن فيما يخص وعينا بأحدية الله وما يصلنا منها:  فلما كانت رحمة الله هي السابقة على كل الصفات، وكتب الله على نفسه الرحمة، لذلك لخص الله مجده في البسملة بأنه: الرحمان الرحيم. هنا ينقسم الجذع إلى فرعين عظيمين.

ثم زاد الله التفصيل في القرآن بذكر فروع مجده الأعلى في حوالي مائة اسم جميل له إلا واحد، وكلها صفات له تعالى، وأنزل الله الفاتحة كي يجمع فروع الحمد في أربعة حزم عظمى. تقع كقوائم عرش الله العظيم، تفصل الفرعين العظيمين المذكورين في البسملة. 

وحملة العرش اليوم أربعة يوصلون للمخلوقات حزم فيوض الحمد الجامعة الأربعة المذكورة في الفاتحة وهي فيوض:  الربوبية العامة والرحمانية  للأحياء والرحيمية للمؤمنين والمالكية للجزاء والجدوى  ثم يكشف الله فيوض حمد زائدة من محامده عند عرض الأرواح الكاملة على الله بعد القيامة ليأخذ الصالحون حظا جديدا من ربوبية أخرى وحظا من رحمانية جديدة وحظا من رحيمية ومالكية تغاير ماكان في الدنيا وهنا تكون ثماني صفات تحملها ثمانية من الملائكة، حيث يحمل الملك

المزيد


لما ألقى موسى عصاه 13

مايو 2nd, 2010 كتبها فتحي عبدالسلام نشر في , حوار منتدى التوحيد, لما ألقى موسى عصاه

ملحق  للرد على الرد الثاني لمنتدى التوحيد

لما ألقى موسى عصاه 13

آية الأنبياء وما يتصل بها

وحرام على قرية أهلكناها أنهم لايرجعون.. الأنبياء.

 لايذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى .. الدخان

الدلالة على أن من مات لايعود فقد حبسه القرآن وخاصة أهل الإيمان

انظر ألا تغريك اختلافات التفسير لتعذر نفسك أن الأمر شائك أو أن المعنى المختار هو مايختاره لي أحدهم، وترى نفسك قرير العين في النهاية أن الآية بمثابة مالامعنى له، وتستغني عن معناها مادام يجرك إلى الحق المر.

لما تأكد موت عيسى عليه السلام، وهزم جيش حياته عليه السلام في سماء الفلك،  وثبت أنه دفن في الجبال أو التلال، في ربوة ذات قرار ومعين كما نص الله ذو الجلال، قال البعض من فلول الجيش بلسان الحال، إذن فلاقونا عند معركة أخرى يدوم عندها الجدال،  أن من مات يعود للدنيا، وسيعلمون أن هذا ماجعله القرآن من المحال.

وقبل القرآن فإن عليهم أولا أن يرتكبوا العجائب التي لاتفسير فيها ولامقال، وهي أن يأنفوا من القول بمجيئه من بلد من أراضي الدنيا ماشيا على قدميه، طالبا لعلم القرآن والسنة، عند إحدى مدارس فرق الإسلام، ثم يهديه الله وينطلق مثلنا داعيا لله، ويلجأوا للقول أنه سيبعث في الأرض ثم يرفع للسماء بعد أن يتعلم القرآن والحديث لينزل منها كما هو الفهم الشائع عن معنى النزول والمتبادر للبال.

ولو تجاوزوا العقبات المنطقية ومشاكل عدم وجود أي مسانيد نصية، فسوف يفاجئهم القرآن بالمحكمات.  

إن قضية الرجوع للدنيا بعد الموت تقتضي موتا آخر. وبالتالي تتحقق موتتان فيهم. والله نفى أي موتتين بالذات للصالحين، وأبو بكر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله لن يجمع عليه موتتين، والموتة المكتوبة فقد ماتها.

 

وهذا الفهم يريحك في تفسير كل الآيات التى توهم عودة حياة البدن بعد الموت في الدنيا، مثل آية البقرة :  فأماته الله مائة عام. فلو فسرت الآية بموت حقيقي محسوس، وبعث للدنيا، لمات بعدها الموت الضروري، ولجمع الله عليه موتتين، وهو ممنوع منعه القرآن، والله قادر عليه ولكن الله أبرم منعه.

فاترك هذا الاتجاه،  وسيتبين لك ضرورة فهم الموت بأنه موت الكشف.

ويساعدك على ذلك الفهم أن موته وبعثه حدثا في الدنيا لافي عالم البرزخ، بالتقابل مع حياة وبعث القرية تماما.

فاعلم أن التساؤل كان عن مدة بقيت لتبدأ حياة ثانية لتعمير قرية هالكة فانية، وهو نوع حياة ستحصل في الدنيا، أي عمران سيعود. فالموت والبعث كلاهما دنيويان، وتساؤله عن هذه القرية التي ماتت كان بمعنى خربت،  لاأن سكانها ماتوا، وغادرت الروح أبدانهم فكيف ستعود الأرواح للأجسام. فموت القرية معناه غادرتها روح العمران، وعودتها للحياة لن يكون بعث الآخرة.. لقد مر على مدينة خالية ولم يمر على جبانة ولم يتساءل متى يبعث الله من في هذه القبور. والعظام التي أراه الله كيف ينشزها هي عظام نفس القرية، أي عودة العمران تدريجيا حتى يكتمل العمار.

فاترك الموت بمعنى مفارقة الروح للبدن وزيارة الأجداث واجنح للاستعارة الرائعة عن حياة وموت الأمم.

وفي نفس الإطار قول الله تعالى: فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، فالله حرم عليهم الأرض المقدسة، لما عصوا، ثم بعثهم كأمة عاملة، في صورة أولادهم بعد هلاك القرن العاصي في تيه الأرض. ولايذهب وهلك أن الله كان يميت بني إسرائيل ويصيروا رمما ثم يبعثهم للحياة الدنيا، فهذا دونه خرط القتاد، ولو جاءتك الإسرائيليات بالرواية بعد الرواية والعناد.

كما أنه:

لايوجد نبي لقي الله تعالى، ورأى جنته، وطار في سمائها، وشم من ريحانها ومسكها وعطورها، وحطت روحه في حوصلة الطائر الأخضر، مستريحة بعد طيرانها في قنديل تحت ظل عرش الله تعالى،  ثم يعيده الله ليعاني مرارة الدنيا، والحر والعرق والمخاط واللعاب والروائح، وضرورات دورة المياه وهرج البكتريا في بطنه.  هذا هو المحال.

لن يعيده الله أبدا ليعاني مرارة الحياة الدنيئة الواطية الدنيا، ويمر بمراحل التحلل المقيتة بعد أن ذاق طعم عالم الصحة، ولن يعاني المغص ومقدمات الشيخوخة، والجوع والحر والعرق والمخاط واللعاب والروائح، وضرورات دورة المياه وهرج البكتريا والفيروسات، فقد قال الله: وماهم منها بمخرجين.

لايخرج نبي من جنته،  سواء كان الخروج من جنة البرزخ، أو كان الخروج منها بعد القضاء.

والرسل والشهداء لايخرجون من جنتهم يوم القيامة، بل هم يبعثون تحت ظل العرش، عرش صفات الله  ومجموع الرحمات، ويظلون تحته والعباد يجري عليهم القضاء وهم في ظلالهم.

ثم فاعلم الإعلان الرباني

الله أعلن بعد ذكر الصالحين في الأنبياء أنه كاتب لسعيهم، وشاكر له، وبالتالي هم في رحمته.

ويعلن بعده إعلانا يخص قرى الصالحين قبل الطالحين، أنه قد حرم الرجوع للدنيا عليهم بعد الهلاك.

وكلام الله يفسر بعضه، وقوله تعالى : وحرام، 

المزيد


رد منتدى التوحيد للمهندس فتحي

مايو 2nd, 2010 كتبها فتحي عبدالسلام نشر في , حوار منتدى التوحيد

بسم الله .. والحمد لله ..
حضرة المهندس فتحي عبد السلام ،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،

قرأت ما كتبته حضرتك في الرد على خطابي إليك من منتدى التوحيد ، وقد بان لي والله المستعان – أن الهوة واسعة جدًا سيدي الفاضل المحترم بين ما تعرضه من أفكار واعتقادات وما هو ثابت في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة وفي آثار الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين المشهود لهم بالعلم والدين وسلامة العقيدة . وهذا يرجع إلى كون حضرتك لا تنطلق في اعتقاداتك من الكتاب والسنة ابتداءًا كما يُفترض أن يكون الأمر عندما يتعلق بالعقيدة أو الشريعة أو الدين بوجه عام ، بل تنطلق حضرتك من عقلك ابتداء ثم تكرّ على الآيات والأحاديث تخضعها لعقلك وما رسمه لك أو رسمته له ، فتكون الآيات والأحاديث والآثار خاضعة لفهمك وفكرك لا العكس كما هو المفترض من كل مسلم حتى صار العرش وقوائمه والملائكة التي تحمله والكرسي - عند حضرتك – ليست مخلوقات حقيقية كما أخبر الله ورسوله بل هي صفات الله وكمالاته وتجلياته وهي تمكين الملائكة من توصيل الرسائل وأن أجنحتها هي ملكات التوصيل ! وهذا من التأويل المذموم الذي يرد النصوص لمخالفتها عقل المرء رغم أن العقل لا يحيل أن يخلق الله عرشًا كبيرًا تكون له السموات والأرض كحلقة في فلاة كما ورد في الحديث وأن تكون له قوائم تحملها الملائكة وأن يخلق الله أجنحة للملائكة ، فهذا ليس من المحال على الله أن يخلقه ، فلا مبرر لرده ورفضه ونقضه في سبيل تأويل باطني من جنس تأويلات أهل البدع .
وبهذا المسلك – أي: مسلك التأويل الفضفاض – لا تكون لنصوص الكتاب والسنة أي حقيقة ، بل هي كلها مجازات بعيدة واستعارات واسعة ، أو على الأقل ثمانين في المائة منها كما قلت حضرتك ، ومعلوم أن الله تعالى لا يخاطب عباده وكذلك الرسول لا يخاطب أمته إلا بما يفهمونه ويعرفونه من كلامهم ولغتهم ، لا بما تشق فيه الفهوم وتجهد فيه الأذهان لأن مهمة الرسل هي دعوة الناس بمنتهى الوضوح وأفضل البيان ، وإلا فمن السهل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين لقومه إن عرش الرحمن هو قلب المؤمن وأن قوائمه هي الربوبية والرحمانية والرحيمية والمالكية وأن الملائكة هي موصلات لهذه التجليات الإلهية وأن أجنحتها هي ملكات التوصيل ، كان من الأكثر سهولةً ووضوحًا وبعدًا عن اللبس أن يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكلام لقومه بلا عسر ولا مشقة ، فلماذا يُعلّم الرسول قومه أن العرش من مخلوقات الله وأنه أكبرها وأعلاها وأنه تعالى على العرش وفوقه ، وأن له قوائم تحملها الملائكة ولكل منها عدد كذا وكذا من الأجنحة ؟! لماذا يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا رغم أن المعنى الباطني الذي اقترحته حضرتك ليس من الصعب التعبير عنه أو إفهامه أو إيضاحه ؟ هل يرغب الرسول أن يضل الناس ؟ هل يشتتهم بهذا الكلام الغيبي رغم أن حقيقته شيئًا بعيدًا تمامًا عن ظاهره ؟ هيهات يا حضرة المهندس حاشا لله !
وبطلان تأويلك يا سيدي المحترم واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان لأن العرش سرير محسوس له ظل كما في حديث "سبعة يظلهم الله في ظل عرشه" ، وهو محمول ومحفوفة به الملائكة كما يدل عليه قول الباري جل في علاه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة : 17] وقوله عز وجل : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر : 7] وقوله سبحانه : ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر : 75].
فالعرش أعظم المخلوقات ، وقد كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود : 7] . وله قوائم كما في حديث :"فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش" . فهل قلب المؤمن هو الذي كان على الماء قبل خلق السماوات والأرض ؟! أو أنه الذي تحمله الملائكة وتحف من حوله ؟!! أو هو الذي أخذ موسى عليه السلام بقائمة من قوائمه الربوبية والرحمانية والرحيمية والمالكية ؟!!!

ثم إن حضرتك بدأت ردك بمقدمة طويلة أفصحت فيها عن بعض عقائدك من جنس قولك إن ذات الله هي عين صفاته وإن جمال الله هو كماله هو جلاله ، وهذا كلام غير مستقيم لأن حقيقة الذات غير حقيقة الصفات ، وحقيقة كل صفة غير حقيقة الصفة الأخرى ، فلا يستقيم في العقل أن تكون هذه الأشياء كلها واحدًا رغم اختلاف حقائقها ، وهذه عقيدة معروفة لدى المعتزلة الذين ينفون صفات الله تعالى ولا يثبتون منها إلا أسمائها فقط دون حقائقها ، حتى أن ذات الله عندهم ليس لها صفات حقيقية ، لكنهم يطلقون الأسماء على الله لفظًا لا حقيقيةً ، لأن عندهم الله ليست له صفات وإلا نتج عن هذا تعدد القدماء ، وهذا موقف نظري بحت اعتنقه المعتزلة ، والعقل لا يحيل أن يكون الله تعالى ذاتًا متصفةً بالصفات كالسمع والبصر والعلم والقدرة والخلق والحياة وغيرها ، وأن تكون هذه الصفات حقيقية ولها حقيقة في ذات الله ، ومعروف أن الناس لا تقول لمن تعددت صفاته وأسمائه أنه أكثر من واحد أو أنه متعدد ، بل هو واحد ، أما المبالغة في التوحيد إلى درجة نفي صفات الله وإثبات أسمائها فقط دون حقائقها ومعانيها الثابتة له في الكتاب والسنة فهذا من التجاوز والعدوان .

ثم إن حضرتك تقول إن التنزيه ليس عارًا ، وهذا حقٌ لا مرية فيه ، إنما العار هو التحريف والتأويل الباطل والإعراض عن كلام الله ورسوله ، ثم محاكمة القرآن والأحاديث إلى عقولنا تقبل وترد ؛ فهذا فيه من الإذلال للدين ولنصوصه ما فيه . فإن العقيدة مرجعها إلى كتاب الله وسنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم لا إلى أهواء الناس وأقيستهم ، وأنه ليس هناك أعلم بالله من الله ، ولا من الخلق أعلم به من رسول الله صلى الله عليه وسلم . كما أنه ليس هناك أنصح للأمة ولا أحسن بيانًا ولا أعظم بلاغًا منه صلى الله عليه وسلم . فإذا ثبت وصف الله عز وجل بشيء من الصفات في كتابه الكريم أو ثبت ذلك في سنة نبيه المصطفى الأمين وجب على المسلم اعتقاد ذلك وأنه هو التنزيه اللائق بذاته جل جلاله . ثم إن أصحاب رسول الله رضي الله عنهم لم يجهلوا معاني صفات الله تعالى ولا ارتابوا في وصف الله عز وجل بها بل ولا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء منها . وهم الذين سألوه عن الأنفال واليتامى والأهلة والخمر والميسر والمحيض وغيرها . ولا يجوز لنا أن نفهم أن العلم بأمر المحيض أعظم شأنًا وأجلّ مكانةً عند الصحابة من معرفة صفات الله التي هي أعظم أسباب محبته وإجلاله . قال أبو المعالي الجويني : "والذي نرتضيه رأيًا ، وندين الله به عقيدةً ، اتباع سلف الأمة . والدليل القاطع السمعي في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة ، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوَّغًا أو محتومًا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشرع . وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع" .
ففي باب التوحيد من صحيح البخاري تقرأ :
باب ﴿وكان عرشه على الماء﴾ ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ قال أبو العالية : استوى إلى السماء ارتفع ، فسواهن : خلقهن . وقال مجاهد : استوى : علا على العرش.
وتجد فيه أيضا :
باب قول الله تعالى : ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ وقوله جل ذكره ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ وقال أبو حمزة عن ابن عباس: بلغ أبا ذر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأخيه: اعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء . وقال مجاهد: (والعمل الصالح) يرفع الكلم الطيب. يقال: (ذي المعارج) الملائكة تعرج إلى الله.
ومثل هذا كثيرٌ جدًا حتى قال الإمام القرطبي في تفسيره : "لم ينكر أحدٌ من السلف الصالح أن الله استوى على عرشه حقيقةً" .

ولي يا سيدي الفاضل أن أتعجب من قولك : "الذين ليس عندهم وقت لنذر حياتهم لله والوفاء ببيعة الإسلام أن مالهم والنفس والحياة والموت والصلاة والنسك لله، والذين ليس لديهم وقت ليكونوا ربانيين بما كانوا يعلمون الكتاب ويدرسونه، هؤلاء عليهم أن يكتفوا بعموم الإيمان وأن يمرروا الآيات التي تخص شئون الله كما جاءت، وليس لهم أن يدرسوا للناس عقائد الإسلام لأن هذا ليس حقا لهم.
وليس لهم أن يلزموا الله أن تتنزل معاني كلامه الأعلى على قدر استغنائهم، ومشاغلهم، وإعراضهم عن عظمة بيان لغة القرآن، وعلى قدر وضعهم همهم في دنياهم تحت حجج شتى سيقضي الله فيها بقضائه الحق يوم القيامة، يوم يقول الحق أنه قد هدى السبيل، ويقول لهم لقد جعلت الكون خادما لكم بكل نشاط وتركيز واستكثرتم عليّ أن تـنقعوا النفس في شلال نوري، ثم في غمرة الكسل تريدون أن ترغموا قرآني أن يجاري كسلكم."
فهذا الكلام عن هؤلاء القوم الكسالى الذين لم يوفّوا ببيعة الإسلام المعرضين عن عظمة القرآن ينطبق أشد الانطباق على صحابة رسول الله رضوان الله عليهم أجمعين وتابعيهم وتابعي تابعيهم من أهل القرون الثلاثة الأولى بما فيهم الأئمة الأربعة ومشايخهم وأقرانهم التي قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ، فهؤلاء هم الذين أعرضوا عن التأويل الفضفاض الذي تدعو إليه وتمسكوا بظاهر كلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم . قال الإمام الذهبي رحمه الله : " هذه الصفات من الاستواء والإتيان والنزول قد صحت بها النصوص ، ونقلها الخلف عن السلف ، ولم يتعرضوا لها برد ولا تأويل ، بل أنكروا على من تأولها مع إصفاقهم (اجتماعهم) على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين ، وأن الله ليس كمثله شيء ، ولا تنبغي المن

المزيد


التالي