الحمد لله الذي ضربَ على الباطل وحشة، حتى نفر منه أهلُه، وما أنِسوا به لحظة، الحمد لله الذي جعل للحق بهاءً وحسنًا، ونوّر لمتبعِه بصدقٍ دربه، حتى اشتاق إليه من فقده، الحمد لله الذي سنّ التدافع، وجعل في النفوس عن الشر وازع، ووضع فيها لحب الخير دافع، فلا يأتي مبطِلٌ معذورًا، يومَ يُقال "ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا" ..!
ونشهد ألا إله إلا الله وحده، أقام برهان تفرده بالإلهية، وأثبت لنفسه الكمال، ونقض دعوى الشركية، ووسم معتنقها بالضلال، ونفى عن المبطلين الحكمة، وأثبت للموحدين المنة، فهم يلتمسون الحقّ من وحيه، ويقفون بالعقل عند حده، وذاك من قول ربي "قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" ..!
ونشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، رضي بحكمه المسلمون، واطمأن إلى سنته المؤمنون، وخالف عن أمره المفتونون، عبدُ الله ورسوله، تورمت قدماه قيامًا لمولاه، وشُجَّ وجهه وهو يدعو إلى الله، وكان أسوةَ الصبرِ لمن أوذي في الله، عبدُ الله ورسوله، قال لأمته "ما بقي من شيءٍ يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّن لكم"، فأيكم يزعم أنه أشد منه تنزيهًا لله .. أيكم .. ؟!
ونعلم أنّ الأصحاب أمنةٌ للأُمّة، كما النجوم أمنةٌ للسماء، ذاك خبر خليل الرحمن عنهم، فالفائز من استنّ ما انتهجوا، ومات على مثل ما اعتقدوا، والخاسر من قابلهم بعقله، والحيّ لا تُؤمن عليه الفتنة، فاللهَ أسأل أن يقبضنا على ما قُبض عليه أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعليّ، إنه ولي ذلك والقادر عليه!
وبعدُ ..
فسلام الله عليك ورحمته وبركاته أيها المهندس الكريم..
إني – إذ أراك – تمشي على أرضٍ حجارتُها رضراض، وتختار طريقًا وعرًا يفضي إلى جرفٍ هار، وتحتار في غابة النصوص وطريق السلوك، فإنّ خيانةَ الأمانة أن أهادنك باتفاقٍ مزعوم، أو أخدعك بادعاءِ تقاربٍ مقبول، أو أوهمك بأنك من أهل الإنابة لا الاستتابة، فلا تعِب عليّ ذلك فإنه الميثاق، وقد عاهدتُ نفسي على عملٍ بميثاق ربي، فأذكّرَ بالصراط المستقيم، وسبيل المؤمنين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيّ عن بينة!
ولقد ظهر لي جليًّا في ردك السابق أنك لا تعرف المعتقد الذي تنفيه، وتبذل وقتك وتستهلك قلمك في الرد عليه، وأنك سمعتَ عنّا، ولم تسمع منّا، وأقمتَ في الذهن وجودًا لأقوامٍ لا أعرفهم، فضلًا عن أنتسب لمذهبهم، ولو رأيتُهم لنابذتهم بالعداوة، ولرميتهم بالشقاوة، أقوامٍ يعملون على خديعة العوام، ويخذلون الإسلام، ولا يهتمون بنقد المتن، ولا يلتزمون وحدةَ نهج، فحنانيك! وهداديك! حتى تعرف ما لم تُحط بعلمه، ثم تنظر فيه وفي حسن قوله، فتسير في درب العارفين، لا تكذيب الظالمين، وتتبع حكمَ المنصفين، لا افتراء الجاهلين!
وهذا لا يثير من العجب شيئًا، فإنّ من عرفَ نهجنا عرف أنه نهجُ الصحابة، ومن نظر في أقوالنا رأى أنها أقوالُ الصحابة، ومن تأمل ذلك عرف أنّ الانقياد لله لا يكون إلا هكذا، وأنّ تحكيم الشرع لا يكون إلا من ذاك السبيل، وأن قطْعَ دابر بدعة الضلالة لا يقوم إلا بهذا النهج، ولذا فأنا أعلم أن من له مثل عقلك، سيبادر بالإنابة إلى هذا إن عرفه، اللهم إلا أن تصيبك بما اكتسبت غشاوة، فتعرض عن الحق بعدما تبين!
هذه ثمرات منهجك وأصوله!
وقبلُ .. فإنّ المرء ينتحل مذهبًا باطلًا، يرسم له وصفًا، ويضرب له حدودًا، فيكون اللسان في نظمه ذليقًا، والقول فيه أنيقًا، يجعل آلته العقل الصحيح، ووسيلته التأويل الحسن، وسلفه الصحابة الكرام، وغايته التنزيه والتقديس، كلٌّ يدعي هذه الدعوى، ولذا كان الوقوف على الأثر من تمام التصور، وشرط صحة الحكم .. حينئذٍ تنقلب آلتهم ميل النفس، ووسيلتهم تحريف النص، وسلفهم متفلسفة ماتوا حيرى، وغايتهم اصطناع إلهٍ يوافق الهوى … شعروا بذلك أم لم يشعروا!
ولذلك أيها المهندس الكريم، تجدني أقف عند كلماتك وأقوالك، بوصفها بنات مذهبك وثمراته، عسى أن يلتفت ذهنك عن دعاوى عامةٍ أنيقة، إلى تطبيقاتٍ منحرفةٍ تُظهر الحقيقة، ولذا فلا أقف أمام دعوى لا خلاف فيها، كمثل قولك (يجب تنزيه الذات عما لا يليق)، بل أقف أمام كيفية تطبيقك لهذا الكلام، عسى أن تعود على نفسك بالسؤال والفكر، وتقلب وجوه النظر في الأمر، فربما منّتك نفسك بالأماني، أنك ستعتذر أمام الله بدعاوى التنزيه، وتُنسيك أنك مسؤول عن ثمرة فعلك، والأمر جد واضحٌ يدركه البحر والغمر، ولكنها أشياء رانت على القلوب، حتى صار الحق الذي تواتر به النقل وقبله العقل محلًا للنقاش والبحث!
فخبرني أيها المهندس الفاضل .. أيُّ فضلٍ تجده في مذهبٍ لا يقوم لك، إلا بالتشكيك في كل ثوابت الإسلام، وانتهاج نهج النصارى في الطعن في الكتاب والسنة، وعلمَ الله أني نظرتُ في قولك فهالني ما رأيتُ، وعدتُ على نفسي قائلًا لعلها قارعةٌ تجعلك تفيق، فيكون في ذلك الشر بارقة خيرٍ صرفه الله إليك، والمقصود قولك: (لقد قال الله تعالى وتقدس ما قال، ورغم ذلك يحدث الفهم الخطأ، والرسول صلى الله عليه وسلم قال ما قال ورغم ذلك أضيف لقوله أو فهم خطأ، وروي عنه الصحابة فروى الناس عنهم بالمعاني التي رويت بدورها بالمعاني. وليس ابن مسعود وغيره استثناء)اهـ … هكذا؟!
أهكذا ما استطعت تفصيًا من سؤالي إياك عن آثار الصحابة، إلا أن تقول هذه المقالة الشنيعة، فيكون كتاب الله – بعد أن قال الله ما قال – عرضةٌ للفهم الخطأ، وتكون سنة رسول الله – بعد أن بيّن ما بيّن – عرضةٌ للإضافة والفهم الخطأ، وتكون آثار الأصحاب – بعد أن جاهدوا ما جاهدوا – قد زيد فيها وانتقص، فليت شعري أين إيمانك بوعد ربنا بحفظ الذكر!؟ وهل ضاعت كلّ آثار الصحابة رأسًا، وانتقصت سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم جميعًا، حتى لم يبقَ لك أثرٌ واحدٌ أو حديثٌ واحدٌ يذكر مثل الذي تذكر صراحةً؟! أضاع الذكر وتُركتَ وحدك حائرًا في غابة النصوص حتى جُعلتَ قوّامًا بالحفظ عندما خرجتَ لنا بأن العرش مجموع الصفات وغير ذلك من قولٍ لم ينقل عن الصحابة أثارةٌ من مثله!!؟
أيها الكريم .. لست في حاجةٍ للتشبه بوكلاء النيابة لأستخرج السقطات، ولو كنتُ أبحث عن سقطات، لما راجعتك في تعليقك على الأصل الرابع ولبادرتُ بالإنكار، وأنت تعلم فِعلَ المتناظرين – إن كانت نيتهم الغلبة – في فرصةٍ كهذه، وإنّ قضيتي أبسط من ذلك وأوضح، فلست أسعى إلا لقضايا في غاية الوضوح، وهي عند التأمل لا يمكن أن تكون إلا محل اتفاق، ومنها أن عقولنا – أنا وأنت – غير معصومة من الزلل، وقد يتبين لك أن الصواب في خلاف ما كنا عليه، وأنّنا نخطئ المرة بعد المرة، فإنّ عقلك الذي أخطأ في الاستدلال بـ "كما قال العبد الصالح"، وأخطأ في نفي شأن المسيح بحجة أن ذاك من تنزيه الرسول أن يكون المسيح خيرًا منه مع أنه ليس بلازم، وأخطأ في البيان حين قلتَ إن العرش هو الله، وأخطأ في فهم محاوره كما في تعليقك على الأصل الرابع في الرد السابق، وأخطأ في النقل كما أخطأت في نسبة حديثٍ للبخاري على وجهٍ ليس عنده، هذا العقل الذي وقع في هذه الأخطاء التي اعتذرتَ عنها - شيمةَ النبلاء أحييك عليها – هذا العقل – عقلك أو عقلي – لا يمكن أن يُترك له بحالٍ تأصيل العقائد، أو أن يُوكَّل بتوضيح القواعد، فإنّ هذا يتنافى وحفظ الذكر!
فإن جمعتَ الفقرتين السابقتين، تبين لك أنّك تقول إن القرآن عرضةٌ للخطأ في الفهم، والسنة عرضةٌ لذلك وللزيادة والنقص، وآثار الصحابة كذلك هي الأخرى، وعقولنا عرضةٌ للخطأ في تصور التنزيه، وفي الاستدلال، وفي النقل، وفي فهم النص، وفي البيان .. فكيف تقوم حجةٌ على مبطلٍ من خلال قولك هذا؟!
إن كنت ترشدني إلى الانترنت لأرى شبهات النصارى، فإن قولك هذا يفتح الباب لكل ضالٍّ من نصراني أو يهودي أو بوذي أو بهائي أو لاهوري أو من عرفتَ من الضالين، فإنك إن استدللت عليه بالكتاب أجابك إن القرآن عرضةٌ للفهم الخطأ، وإن أجبته بالسنة أجابك بقولك إنها عرضةٌ للفهم الخطأ والزيادة والنقص، وإن أجبته بآثار الصحابة أجابك بقولك إنها لا تفترق عن السنة في شيء، وإن أجبته بعقلك أجابك بما يعرفه الجميع أنّ عقلك عرضة للخطأ في التصور والفهم والاستدلال والنقل والبيان، فكيف تدعو أهل الضلال إلى اتباع حقٍّ ثابتٍ وهذه ثمرة ما اعتقدت؟!
وأقف عند قولك (وآثار الصحابة فيها الصحيح والموضوع، ويجب نقدها عندما تتعارض مع الثوابت الإسلامية)، فمن أين تأتي بالثوابت الإسلامية، أمِن كتابٍ يحتمل الفهم الخطأ، أم من سنةٍ تحتمل ذلك والزيادة والنقصان ورواية بالمعنى، أم من أقوال صحابةٍ "يروي عنهم الراوون بالمعنى كثيرا بما يتعارض مع اللائق بالله" كما قلتَ، أم هو شيءٌ غير ذلك تستمد منه الثوابت الإسلامية؟؟ فانظر في جواب هذا السؤال!
ثم إن منهجك يقوم على تأويل كل شيء، فالقرآن الكريم يؤول، والسنة النبوية تؤول، وآثار الصحابة تؤول، (وكلام ابن مسعود يؤول لكلامي) -تقصد نفسك- اهـ، فإن كان الأمر هكذا، وإن كان التأويل يبلغ من التعسف ما يجعل "عرشه على الماء" تكون "عمد إلى خلق الأحياء"، فمن هذين المقدمتين ينتج أنّ كل الكلام يمكن تأويله، فلا تقوم الحجة على مبطلٍ بسماع كلام الله، ولا بمعرفة أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بآثار الصحابة عليهم الرضوان، فإنه يستطيع أن يؤول كل الكلام ليصير موافقًا لهواه!
يا سيدي .. إنك إن التزمت بهذا المنهج فعلًا، لم تستطع أن تقيم حقيقةً قط، ولم تقدر على أن ترد على مذهبٍ باطلٍ قط، وانقلبت كل نصوص الشرع غير محكمة، وصارت أوضح الواضحات من المشتبهات، وأي لفظٍ يُقيم معنى بعد أن تتوارد وتتواتر النصوص برؤية المؤمنين ربهم في الجنة، عيانًا لا يضامون في رؤيته، كما يرون القمر ليلة البدر، ويسأل الأصحاب أنرى ربنا؟ ويجابون بإثبات ذلك، ثم ينقلب كل ذلك بفعل التأويل وهمًا لا حقيقة وراءه، فأي نصّ تقوم منه حقيقة غير قابلة للتأويل بعد ذلك؟! فلا عجب إذن أن تنقلب نصوص ختم النبوة برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا نبي بعده، في عقول أقوامٍ وهمًا لا حقيقة وراءه، ولا عجب أن يأتي يومٌ تنقلب فيه نصوص توحيد الله وهمًا يُتأول، ونصوص إثبات العلم لله من قبيل الخيال .. ذلك من خلال المعتقد الذي تتبناه!
لتفرض أنّ الله يخبرك أن له صفة اليد، فكيف يخبرك سبحانه بهذا؟! أبكتابٍ تقول إنه عرضة للفهم الخطأ؟ أم سنة تقول إنها عرضة لنقص وزيادة؟ أم بآثار صحابةٍ كذب عليهم النقلة؟! أم بنصوص واضحة ستعمل فيها بالتأويل؟! أم يطمع كل امرئٍ أن يُؤتى صحفًا منشَّرة؟! ألا تذوب رعبًا أن الله أخبرك بصفة اليد وقال (خلقت بيدي)، فأبيت إلا أن تنفي ذلك، وتزعم أنّ هذا ليس بمراد الله، ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا، ما جواب هذا السؤال: لتفرض أن الله يخبرك بصفة اليد التي تليق بكماله وجلاله، فكيف يخبرك بها وما اللفظ الذي لو جاءك لأثبتَّ هذه الصفة؟!
إنّ قولك (لقد قال الله تعالى وتقدس ما قال، ورغم ذلك يحدث الفهم الخطأ ….إلخ) كفيلٌ بأن يبين لك بطلان ما أنت عليه، وأخشى ما أخشاه أن تصرفك نفسك عن التأمل في بطلان هذا القول والذي يفضي إلى بطلان مذهبك، أن تصرفك نفسك عنه إلى محاولة البحث عن تخريجٍ مناسبٍ لهذا الكلام يُرضي محاورك! لذا أرجو أن تصرف الأولوية في نظرك إلى هذه الجملة من قولك وما تستلزمه من بطلان معتقدك! فهذا معتقد لا للإسلام نصر .. ولا للضالين كسر!
(وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)
لقد طرحتُ تعريفًا لظاهر النص كما تواضع عليه أهل العلم، ولم تعلّق عليه في ردك الثالث، ووضعتَ تعريفًا تقول فيه إن "الظاهر هو المعنى الذي ينتصر على غيره من المعاني الباطلة"اهـ، وهذا التعريف ناقص، وقد ذكرتُ لك في الرد الرابع أنّه كان ينبغي أن تبين لي قولك في التعريف الذي ذكرتُه إن كنتَ انتبهت إليه، وقد ذكرتَ بعد ذلك أنّك ستطبق هذا التعريف الذي ذكرتُه في سورة المؤمنون والأنبياء، ولكن ما ورد في بقية كلامك يدلني على أنّك لم تتفق معي على معنى الظاهر بعدُ، فها أنت ترى أن الظاهر نوعان ظاهر فعلي وظاهر كلامًا!! فتقول (وليظهر الظاهر الفعلي، لا الظاهر كلاما)اهـ، ويتضح من كلامك أن هناك مفهومًا للظاهر متداولًا لا توافق عليه فتقول (لم لم تقل حضرتك بظاهر النص حسب مفهوم الظاهر المتداول؟) .. وهذه النقطة في غاية الأهمية في حوارنا هذا!
ولما سألتك كيف يحتكم اثنان إلى الكتاب والسنة، وأنت تقول لهم في النص الذي يحتكمون إليه، إنه ينبغي أن يرجعوا إلى المعنى الحق الذي ينتصر على الباطل، وحيث إنّ كل منهم يرى نفسه على الحق، فقصرك تعريف الظاهر على أنه المعنى الحق تعريف ناقص، والاقتصار عليه يؤدي إلى إلغاء حاكمية الكتاب والسنة، ولا يغني ما ذكرته عن الجمع والتنزيه والسياق شيئًا من هذه العاقبة السيئة .. عاقبة إلغاء الحاكمية!
وحوارنا هذا مثالٌ لاثنين كلّ منهما يرى أنه على الحق، وأنه ينزه الله تعالى، وأن قوله هو القول الذي يجمع بين النصوص، وأن السياق يوافق رأيه، ويغلب على ظني أننا نريد إصلاحًا والله أعلم، وقد رضينا بالاحتكام للكتاب والسنة، فإن طبقنا تعريفك لظاهر اللفظ، وجدت نفسك ترى أنك استطعت السلوك في غابة النصوص، وأنّ كلامك عن السياق يحيى النفوس بخلاف كلامي، وأنك تنزه الله حق التنزيه، ووجدتني أقول إني أجمع بين النصوص بسهولة ويسر، وأن كلامي عن السياق يوافق ما صح عن الصحابة، وأني أنزه الله تعالى حق التنزيه .. وطبيعة الحكم بين اثنين أن يكون قاضيًا على أحدهما بالصواب والآخر بالخطأ إن كانا ضدين .. لا أن يداهن المتحاكمين حتى يصيبهم العجز عن الوصول إلى حُكمٍ عند الاحتكام!
أضف إلى هذا أن ما سبق من قولك إن الله قال ما قال وكلامه عرضة للفهم الخطأ وكذلك السنة وآثار الصحابة، وقد تصيب الزيادة والنقصان السنةَ والآثار، فهذا يعني إلغاء حاكمية الكتاب والسنة تمامًا، لأنّك حين تفقد الثقة بالحكم، بعد أن جعلته حكمًا غامضًا يظهر حكمه بشق الأنفس، تكون أجهزت على ما تبقى من حاكمية للكتاب والسنة!
ثم إنّ أحدًا من أهل العلم لم يستعمل الظاهر بهذا المعنى الذي تقوله، لا من أهل اللغة ولا من أهل التفسير، لا من أهل السنة ولا من غيرهم، وكم مرةٍ تجدهم يقولون "والظاهر غير مراد!"، ونعلم أنهم لا يقصدون أنّ "القول الحق غير مراد"، ويقولون "الظاهر لا يصار إلى خلافه إلا عند الضرورة أو ورود القرينة أو الدليل….."، ونعلم أنهم لا يقصدون أنّ القرينة تصرفنا من المعنى الحق إلى المعنى الباطل، والذين يصرون على التأويل الباطل كثيرًا ما يقولون "والنص متروك الظاهر" ونعلم أنهم لا يقصدون ترك المعنى الحق، ولذا فتعريف ظاهر اللفظ على أنه "ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة"، هو التعريف الصواب أهل السنة ومن خالفهم.
ولنأخذ الرازي كمثال .. فهو ليس بمجروح عندك وإن كان مجروحًا عندي .. فتراه يقول في موضع من تفسيره: (قالوا إنما تركنا الظاهر وعرفنا كون هذا الأمر للإباحة بالإجماع)، فترك الظاهر قام بالإجماع، ولا يعقل أنه يقصد أن الإجماع قام على ترك المعنى الحق، وانظر كلامه في تفسير معنى الكرسي (واختلف المفسرون على أربعة أقوال، الأول : أنه جسمٌ عظيمٌ يسع السموات والأرض … المعتمد هو الأول ، لأن ترك الظاهر بغير دليل لا يجوز ، والله أعلم.)اهـ، فهو يقرر أن كون الكرسي جسمًا عظيمًا هو الظاهر، ويقرر أن ترك الظاهر لا يجوز إلا بدليل، ونعلم أنّه لا يقصد أن الدليل يؤدي إلى ترك المعنى الحق! وعلى ذلك يتضح بالمقال والمثال أن تعريفك لظاهر النص تعريف ناقص، ويؤدي إلى إبطال حاكمية الكتاب والسنة، وهو تعريف لم تسبق إليه!
وحين أقول إنّ الاحتكام يكون لظاهر النص، فإنّي أرد الناس إلى حَكمٍ واضحٍ ظاهر متفق على قوله، يعطيك الحكم بأوضح وأبين لفظ، من غير لجلجةٍ ولا بلبلة، ولا ثرثرةٍ ولا بربرة، وحين ننصرف عن ظاهر اللفظ، فيكون ذلك بأدق الضوابط، كما سبق بيان شروط ذلك، ويكون من هذه الشروط ورود الدليل والبيان من الكتاب والسنة كذلك .. وهذه النقطة كما ترى محوريةٌ في هذا الحوار .. وهي كفيلة لو تأملتها أن تدلك أي النجدين أحق بالاتباع .. أهو الذي يجعل من الشرع قاضيًا مترددًا عي اللسان يطلق حكمًا لم يُحفظ عن الفهم الخطأ وهو إلى الألغاز والأحاجي أقرب، أم الذي يجعل من الشرع حكمًا واضحًا مبينًا حُفِظ حكمه عن الفهم الخطأ وهو كالشمس ظهورًا وجلاءً؟!
إنّك لو وافقتني على أنّ ظاهر اللفظ هو (ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة)، وأقررت كما أقرّ أهل العلم وحتى الذين قالوا بالتأويل الفاسد، أنّ النصوص التي فيها ذكر العرش، يسبق إلى الذهن منها المعنى الذي أذكرُه لا الذي تذكره، ثم جمعته إلى موافقتك على أن القرآن الكريم لم ينزل بألفاظٍ يتبادر إلى ذهن العربي عند سماعها معانٍ غير صحيحة، لعلمتَ أنّك يلزمك القول بالمعاني التي أثبتها من هذه النصوص لا التي تثبتها، سيما وقد فقدتَ أيّ نصٍّ فيه أنّ العرش هو الفيوضات أو التجليات أو أن عرشه على الماء تعني توجه التجليات لخلق الأحياء!
هذه ثمرات منهجك وأصوله!
قد علمتُ أنّ الله يقول (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)، فوجدتك – خضوعًا لمذهبك – تقول: (ويستعمل الله إمكانيات اللسان في سبيل التقريب)، فالله يقول إنّ اللسان مبينٌ، وأنت تقول إنه للتقريب، الله يقول إنه يبين الحق، وأنت تقول إنّه يقرب الأذهان لجمال الحق، لتصير المسافة بين الأذهان والحق خالية، يعمل فيها من يريد بالتأويل والتحريف، الله يقول إنه يهدي للحق، وأنت تقول إنه أنزل ما يقربك من الحق لا ما يقف بك عليه!
ولا عجب، فأنت محوجٌ لهذا القول، أما أهل السنة فيقولون إن الله أنزل الكتاب مبينًا، من اتبعه فقد أنجح وأفلح، فإن قال الله إنّه "سميعٌ" و"يسمع"، أثبت أهل الحق صفة السمع، وقالوا إنّ سمع الله ليس كسمع خلقه، فإن تكييف الصفة يختلف باختلاف الذات التي تنسب إليها، وعليه فإن تفويض العلم بالكيفية من لوازم اللسان المبين، أما غير أهل الحق فيرون قوله "وكان عرشه على الماء"، فيقولون إنّ اللسان هنا غير مبين، وإنما هو للتقريب، والمقصود – البعيد بل إن شئت فهو الغامض بل هو الشبهة التي لا حقيقة فيها – أنه توجه التجليات لخلق الحياة!
هذه ثمرات منهجك وأصوله!
وقد عدمتَ في منهجك أي سلفٍ من الصحابة الكرام، وقد سألتك عن أثرٍ واحدٍ لواحدٍ من الصحابة يقول إنّ عرش الملك هو عزه أو تجلياته أو فيوضه أو غير ذلك مما ذكرتَ، بل عدمتَ أي أثرٍ عن واحدٍ من القرون الخيرية الأولى، فهل هذا المنهج هو منهج الصحابة، فلمَ لم يبلغوه؟! ولم يشتهر عنهم وينتشر؟! أين مقتضى الوعد بحفظ الذكر وظهور الدين؟!
وقد سألتك عن العربي أيقوم في ذهنه أن "عرشه على الماء" تعني أنه "عمد إلى خلق الأحياء"، فأجبتَ أنه لن يفهم ذلك أول الأمر وقلتَ: (ثم يتعلم أن عرشه كان على الماء فيفهم أن تدبير الله وتجلي صفاته في الفاتحة تجلت على الماء بعد فرش الكون لقدوم الحياة.)اهـ، فأينَ النصوص التي يعلم فيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم أو الصحابةُ عليهم الرضوان العربيَّ الذي يدخل الإسلام أن عرشه على الماء تعني أنه عمد إلى خلق الأحياء، أم تراهم وقعوا فيما استنكرته من أن (تساق النصوص وتترك هكذا للعامي والغمر دون تأويل ينزه الله)؟! أم تراهم فهموا أن المتبادر إلى ذهن العامي والغمر – الخلي عن تجربة المذاهب الأخرى – هو الصواب من أنّ عرشه على الماء تعني أن عرشه على الماء ولا تعني أنه عمد إلى خلق الأحياء؟! فهذا سؤالٌ لازمٌ يبطل قولك وليس لك عليه جواب: إن كان العربي لا يعرف هذا المعنى "عمد إلى خلق الأحياء" إلا بالتعليم، وإن كان سوق النصوص للعامي دون بيان التأويل الصحيح أمرًا مستنكرًا، فأين الأحاديث أو الآثار التي فيها ذكر هذا المعنى إن كان حقًّا ما تقول؟!
ولذلك فأنت مضطر إلى المصادرات في حق الصحابة، فأنت تصادر وتقول عن الصحابة: (لا يمكن تخيلهم يفهمون غير ذلك)، بينما المنقول عنهم خلاف ذلك، وتصادر وتقول عن ابن مسعود: (ولو كان ابن مسعود معنا الآن ورأى الحوار فسيقف بجانبي بشكل أكثر من وقوفه بجانبك)، وابن مسعود رضي الله عنه هو الذي قال: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"، فهل قائل هذا الكلام يوافق على مذهبٍ لازمه الزعم بأن السنة وآثار الصحابة عرضة للخطأ في الفهم أو الزيادة والنقصان؟!
هذه ثمرات منهجك وأصوله!
وكالعادة يقوم مذهبك على كلماتٍ لم تُعرف عن أحدٍ من السلف، كلماتٍ اتفقنا قبلُ أننا لا نطلق فيها حكمًا بنفيٍ ولا إثباتٍ حتى نستبين المعنى المخبوء في ظلها، فها أنت بعد الاتفاق تنقض، فبعد نفي الجهة و التكثر تقول (والله تعالى متقدس سبحانه عن (المواضع) أو أن يكون له جوارح تشعر بالتبعيض)اهـ.، وحيث إنّه هذه الألفاظ لم ترد في الكتاب والسنة، فإنّ إطلاقك النفي فيها غير مسلم، فإن كان المقصود بنفي هذه الكلمات نفي تمثيل الله بخلقه فنحن نقره ونقول إنّ اللفظ الوارد في الكتاب والسنة هو الأحق بالاستعمال، وإن كان المقصود بنفي هذه الكلمات نفي صفات الله تعالى فنحن لا نقر هذا النفي ونثبت صفات الله تعالى ونكتفي بما ورد في الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة!
وكذلك يقوم منهجك على التمثيل بادي الرأي، وبعد وقوعك في التمثيل تلجأ للقطب الآخر، فتقع في التأويل والتعطيل، ومن ذلك فهمك والتزامك للنسب الحجمية بين القدم وجهنم – ولا أدري ما داعي سؤالك عن عدم تعليقي على كلامٍ لا يوافق كلانا عليه! - والتزامك في فهم النص بالنسب الحجمية بين القدم والكرسي، وعلاقة القدم بالساق بارتفاع العرش! فأنت تفهم النصوص بتمثيلٍ بل بغلوٍّ في التمثيل، ثم ترتد نافرًا إلى الطرف الآخر، فتلغي معاني القدم والكرسي والعرش، إلى معانٍ أخرى غير مقصودة، وقد كان يكفيك من ذلك أن تمر النص كما جاء، وتعلم أن اختلاف الذوات يقابله اختلاف الصفات، فإن سألك سائل "كيف؟!" قلتَ "لا أدري!"، كمثل قولك: (الله قريب من كل شيء خلقه تعالى بنفس الدرجة، فليس الله قريبا من السماء السابعة أكثر من قربه من الأرض، كيف؟؟ لا أدري)اهـ.
أما قولك (الله قريب من كل شيء خلقه تعالى بنفس الدرجة)، فإن كنت تقصد قربه تعالى بعلمه من جميع خلقه فمسلّم، وإن كنتَ تقصد قربه تعالى من بعض خلقه في بعض الأحوال بكيفيةٍ لا نعلمها ولا يلزم منها خلو العرش منه فمسلّم، وإن كنت تقصد أن الله قريبٌ بذاته من جميع الخلق في كل الأوقات والأحوال فغير مسلم إذ ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم قربه تعالى من جميع مخلوقاته في كل حال!
ولقد رأيت قولك بـ (استحالة صحة وجود قدمين لله)اهـ وقولك (لتنزه الذات عن الأقدام)اهـ، فقام في خاطري عدة أسئلة: هل إثبات قدمين لله من المستحيل عقلًا؟! أليست المسألة توقيفية لا علم لنا بها إلا من جهة النص؟! هل ترفض إثبات قدمين لله حتى لو أثبتهم الله لذاته؟! – وأطمع في جوابٍ صريحٍ لهذا السؤال السابق - فإن قام النص الصحيح الصريح أثبتنا ما يثبته دون تمثيل أو تعطيل فنمر النصوص كما جاءت، وإن كنت ترى في إثبات القدم تمثيلًا، فإن الجهمي يرى في إثبات العلم تمثيلًا، والملحد يرى في إثبات الذات تمثيلًا، فجوابك على الجهمي والملحد في إثبات الذات والعلم هو جوابي عليك في إثبات القدم .. وأختم هذه الفقرة بسؤال: أيمتنع أن يكون له قدم تناسب ذاته تستحق من صفات الكمال ما تستحق الذات؟!
وقد اتفقتَ على صواب التقسيم والتعليم والتنظيم والاستقراء، بما يدل على أنك لن تجد غضاضة في تقسم التوحيد أو تقسيم الصفات في حد ذاته، وهذه خطوة في سبيل الاتفاق بإذن الله، ولكنك مازلت تشنع بأن تعداد الصفات قد يُنشئ في ذهن العامي وهمًا بذات عملاقة شفافة لها كذا وكذا، في حين أن مذهبك لا يخلو من هذه الشناعة المدعاة، فيمكنني الرد عليك بأنك حين تثبت الذات، يقوم في ذهن العامي تصور ذات عملاقة شفافة، فإن نفيت عنها العين، قام في ذهن العامي ذات عملاقة شفافة بلا عين، فإن نفيت اليد والوجه قام في ذهن العامي ذات عملاقة شفافة بلا وجه ولا يد، وهكذا .. فإن أجبت بأن هذا يُتقى بتعليم أنه ليس كمثله شيء، أجبتك بأن ما تخشاه من إثبات الصفات يتقى بمثل ذلك، وإن أجبتَ بأن اختلاف الذوات يستلزم اختلاف الصفات، أجبتك بأنّ هذا ديدني، وإن أجبتَ بأن هذا يُجتنب بحسن التدريس، أجبتك بمثل ذلك .. إذن! فلا معنى لما تطرحه هنا من وهمٍ يقوم في ذهن العامي، لأمور: أنّ هذا الوهم يلزمك إن ألزمتني به! وأنّ طريقتك في نفيه هي طريقة محاورك! وأخيرًا أنه ليس من وسم الباحث أن ينفر من الحق لوهمٍ يزول بالتعليم!
تنبيه لطيف: كثيرًا ما يقع المنخرطون في مناظرة الملاحدة والنصارى وغيرهم من الضالين، كثيرًا ما تصيبهم آفة من هذه الحوارات وهم لا يشعرون، فإنهم ينظرون في كل نصّ أو حدثٍ أو تشريع، فيزنونه بميزان هذه المناظرات، فيقولون في أنفسهم "هل هناك فائدة من هذا النص أو الحدث أو التشريع تغري النصارى بالإسلام؟!؟"، فيكون هذا لهم معيارًا وهم لا يشعرون، وهذا المعيار وإن كان الداعي له نية خير، إلا أن هذا لا يعني أنه معيارٌ صحيح، وكم من مريدٍ للخير لم يدركه، وقولك (لا فائدة للإسلام من إثبات قدمين للذات) مثالٌ على هذا، فانتبه لذلك يا هداك الله .. إنني لو سألتك (ما الفائدة من تحديد الظهر بأربع ركعاتٍ للإسلام!؟) .. أو (ما فائدة القول بسبع سماواتٍ للإسلام؟!) .. لما استطعتَ جوابًا إلا أن تقول إنّ هذا تكليفٌ من رب العالمين، فيكون منّا متبعٌ محسنٌ وتاركٌ مفرط .. فهذا هو رد ما ادعيت من أنه لا فائدة للإسلام من إثبات قدمين ووجه ويد .. فمن صدق بهذه الصفات على وجهٍ يليق بالله عز وجل بلا تمثيلٍ ولا تحريف، كما أثبت العلم والقدرة والرحمة فقد أفلح وأنجح، ومن رفضها وقدّم عقله وأبى إلا التعطيل فقد خاب وخسر .. نسأل الله النظر إلى وجهه الكريم! وأن يثبت قلوبنا على هذا الدين!
إن أمر الاعتقاد قد بيّن وتم، ولسنا في حاجة للبحث عن علاقة عبقرية بين القدم والعلم، فقد كفانا الصحابة عليهم الرضوان ذلك، ولا يفوتني في الحديث عن منهجك، أن أذكّر بأنك تستدل بلسان العرب بطريقةٍ لم يعرفها العلماء، فكلما أردتَ الاستدلال بشيءٍ من لسان العرب، وجدتك تنقل من القاموس المحيط كلمتين، وقد نبهتك إلى هذا قبلُ فقلتُ (ولا يكتفى هاهنا بنقل كلمتين من القاموس المحيط لتقوم بذلك حجة)، فقد طفق المختلفون في هذا الأمر يستدلون بموارد الألفاظ في الكتاب والسنة وآثار الصحابة واستعمال العرب الذين نزل القرآن عليهم، ولم أرَ قبلُ ما تفعله من نقلٍ لكلمتين من القاموس المحيط، الذي وُضِع بعد الهجرة بقرونٍ عديدة، وكأنّ هذا يُنهي النزاع ويوجب الاتفاق!
هذا عن منهجك ولوازمه وما اضطرك إليه، أدعك تتأمل فيه، وأنتقل إلى بيان مذهبي الذي لا تعرفه أنت، فأنت تقول (أنكم لم تلتزموا بإمرار النصوص كما جاءت)اهـ، وتقول (قلتم أن الناس أحدثوا إنكارات فأحدثنا إثباتات الصفات، ولكن كما ترون فقد تبين أن في الإثباتات أخطاء)اهـ، وتقول (ومن العجيب أن كثيرا منهم يلجأون لتأويل حديث الهرولة ولا يؤلون آية الأعين)اهـ، وتقول (لم يحكموا، لأن نقد المتن مهم) … إلى غير ذلك من أقوالٍ تدل قطعًا على أنك لا تعرف ما عندنا من الحق كما أسلفتُ الذكر .. فإليك تفصيل الأمر، وأعلم أن في هذا استطرادًا، ولكني أطمئن إلى كونك محاورًا منصفًا لن يستغل هذا الاستطراد في تشتيت الموضوع، سيما وأنا ما استطردتُ إلا حرصًا على بيان الحق، "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها"!
حاشية: لا أدري لماذا تحاول تحريف كلامي فتجعلني أقول إن الغمر "جدير بفهم الأشياء العليا في القرآن"، بينما قولي إن العقيدة جاءت بأوضح وأبين وأفصح لفظ حتى يعلمها العامي والعالم، ويدركها البحر والغمر، فإن كنت تنوي تكرار ذلك ونحلي ما لا أقول، فأنت وما أردت، لكني أبرأت ذمتي إلى الله، فأعدتُ المراد طردًا لاحتمالِ أنك أُتيت من قِبل سوء الفهم لا قصد التشنيع على المحاور!
مذهب أهل السنة والجماعة الذي لا تعرفُه!
إنّ المرء حين يرى شناعة التهمة بما يجاوز المعقول يعلم أن الرامي بها لا يعلم عن مخالفه شيئًا، ومن ذلك أن ليس في معتقدي الذي ترفضه أنّ كل ما يُضاف إلى الله تعالى يكون صفة ذات، فهذا ليس من العقل في شيءٍ فضلًا عن أن يكون من الإحكام، وإنما عندنا القاعدة الثابتة أن ما أضيف إلى الله مما هو غير بائنٍ عنه فهو صفةٌ له غير مخلوقة، وكلُّ شيءٍ أضيف إلى الله بائنٌ عنه فهو مخـلوق، فليس كل ما أضيف إلى الله يستلزم أن يكون صفةً له، وهكذا نقف أمام "ناقة الله" و "بيت الله" و "رسول الله" و "يوم لا ظل إلى ظلي"، ونقول إنّ هذه المضافات مخلوقة، والإضافة إضافة خلقٍ وتشريف أو غير ذلك من المقاصد!
ولا أراك إلا متوهمًا أننا نثبت لله صفات ذاتٍ حادثة، وإلا فما معنى قولك (وحاشا لله أن يستعين بشيء ليرى)اهـ؟! يا سيدي إننا نقول بصفاتٍ تليق بجلاله عزّ وجل، صفاتِ من ليس كمثله شيء، فليست عينه محدثة لتزعم زعمك وتفهم مثل فهمك، بل هي كصفة القدرة، فإن كان الله يخلق الكون بقدرته وعلمه، من غير أن يكون في ذلك عجز مستنكر، فإنه تعالى يرى بعينه من غير توهم عجزٍ مستنكر، وإلا لفهمنا أن قولك (أزال الله مابيننا من اختلاف بفضله) على أن الله يستعين بفضله!!
أنت تهاجم مذهبًا يقول إن كل شيءٍ هالكٌ "حتى ذات الله" إلا وجهه!! بناءً على سطحية شديدة في فهم النصوص، أنت تهاجم مذهبًا "يحدث إثباتات لأن الناس أحدثوا إنكارات"، بينما مذهبي مذهب أهل السنة والجماعة أهل الحديث والأثر، فيه أن صفات الله تعالى وأسماءه توقيفية، ويعوذون بالله من القول على الله بغير علم، أو الافتراء على الله أن هذا معنى كلامه دون أين يكون هذا هو المعنى، أو أن يصرفوا كلامه عن ظاهره المتبادر إلى الأذهان من غير دليل إلا تحكيم العقل وضلالات الفلاسفة!
إنّ التأويل عندنا يطلق على عدة معانٍ، بينما تحصره أنتَ في معنى واحدٍ فتقول (وما التأويل سوى حسن الفهم)اهـ، وقد تكرر ذلك منك غير مرة، بينما الثابت أنّ التأويل له أكثر من معنى كما ذكرتُ:
الأول: يقصد بها العاقبة، كما في قوله تعالى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) وقوله تعالى: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).
الثاني: وقوع حقيقة الأمر المخبر به، كما في قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ).
الثالث: تأويل الرؤى يسمى تأويلًا بالاعتبارين السابقين، كما في قوله تعالى (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ)، وقوله تعالى (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا).
الرابع: التفسير والبيان، كما في قوله صلى الله عليه وسلم (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، وهذا ما يقصده السلف الصالح، كما يقول الطبري في غير موضع من تفسيره (القول في تأويل قوله جل ثناؤه …).
فهذه المعاني ليست هي المقصودة حين ننفي التأويل، أما أن يكون التأويل ما اصطلح عليه المتكلمون من صرف اللفظ عن ظاهره، فهذا الذي ننفيه إن عدم الدليل من الشرع، لما فيه من تعطيل نصوص الكتاب والسنة، وعليه فإن حصرك التأويل في معنى واحدٍ ليس مقبولًا نقلًا ولا لغةً ولا واقعًا، ونحن لا ننفي التأويل الذي هو حسن الفهم، بل ننفي التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره دون داعٍ إلا النفور من أمورٍ متوهمة كنفي التكثر وما شابه!
ونحن نقول بصرف اللفظ عن معنى إلى معنى آخر يقتضيه السياق، إذ إن ما دلّ عليه السياق من ظاهر الخطاب، ولهذا شروط وإليك هذه الشروط:
الأول: أن يكون اللفظ مستعملًا بالمعنى المصروف إليه في اللغة، لأنّ الشرع نزل باللسان العربي، ولو تخلّف هذا الشرط لجاز لكل ضالٍّ أن يفسر كل لفظٍ بما يشاء من معنى ولو كان لا أصل له في اللغة!
الثاني : أن يكون هناك دليلٌ قاطعٌ - سالمًا عن المعارض - يوجب صرف اللفظ إلى المعنى المصروف إليه، وإن انعدم هذا الدليل القاطع وجب حمل اللفظ على المعنى الحقيقي الذي يغلب استعماله فيه.
الثالث : "أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلامٍ وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته فلا بد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته وأنه أراد مجازه سواءً عيّنه أو لم يعينه لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم فيه الاعتقاد والعلم.. لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مراتٍ كثيرة، وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد والفقيه وغير الفقيه، وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه، ثم أوجب ألّا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئًا من ظاهره، لأن هناك دليلًا خفيًّا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره كان هذا تدليسًا وتلبيسًا، وكان نقيض البيان وضد الهدى وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان، فكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره أقوى بدرجاتٍ كثيرةٍ من دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد، أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس لها حقيقة؟"!
مثال ذلك: قال صلى الله عليه وسلم (إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني!)، فيسوغ في اللغة أن يكون المراد "مرض عبدي"(1)، وقام الدليل القاطع أنّ الله تعالى منزه عن المرض، لأنه المرض نقصٌ من كل وجه، وهو سبحانه (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) ولا يمسه لغوب، ولم يقف لهذا الدليل القاطع معارض(2)، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله في تمام الحديث: (قال : يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده ؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟)(3) .. هكذا عقيدة مؤصلةً ثابتة لا تختلف ولا تتخلف .. عقيدة تقوم على أن النصوص أتت بالوضوح والبيان لا تلبيس وتدليس وأحاجي وألغاز!
على النقيض من ذلك، انظر صفة اليد الثابتة لله تعالى، وفساد تأويلها بالقدرة أو النعمة أو غير ذلك مما بين فساده أهل العلم:
تخلف الشرط الأول: فإن كان في لغة العرب استعمال اليد بمعنى القدرة و النعمة، لكن ليس من لغة العرب أن تستعمل اليد بصيغة التثنية بعد فعلٍ مضافٍ إلى فاعلٍ ومتعدٍّ إلى اليد بالباء، هكذا على هذه الصفة لم تستعمل اليد أبدًا بمعنى القدرة أو النعمة، كقوله تعالى (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، ولم تستعمل بهذه الصفة بمعنى "خلقت أنا"، لأنّ هذا المعنى تضاف فيه اليد إلى الفعل، كقوله تعالى (بما قدمت يداك) أي ما قدمتَ.
تخلف الشرط الثاني: لا يوجد موجب لصرف اليد عن الحقيقة.
وقولك (وفي الفهم الشائع المتبادر، أنها يد جارحة يستعين الله بها على صنع الأشياء)اهـ، فأنت بذلك تنكر إنكاراتٍ بناء على توهماتٍ على وزان تعبيرك!
إذ لا يمتنع في العقل أن يكون له سبحانه "يد" تناسب ذاته تستحق من صفات الكمال ما تستحق الذات، كما له علم وقدرة وذات ووجود يليقان بكماله، ولا يقول أحد إن المعنى الشائع المتبادر علمٌ يسبقه جهلٌ ويذهب به نسيان، أو قدرةٌ يسبقها عجز وبها يستعان، أو ذاتٌ كالذوات، أو وجودٌ كوجود سائر المخلوقات، وكذلك لا يقول أحدٌ إنها يد جارحة يستعان بها، بل له سبحانه الأسماء الحسنى والصفات العلى.
تخلف الشرط الثالث: لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحدٍ من الأصحاب رضي الله عنهم أن المراد باليد خلاف ظاهرها أو أن الظاهر غير مراد.
وما يستدل به بعضٌ من قوله تعالى "ليس كمثله شيء"، فهذه الآية تنفي التمثيل، ونحن نثبت يدًا ليست كأيدي المخلوقين، كما أثبتَّ وأثبتنا علمًا ليس كعلم المخلوقين، وذاتًا ليست كذوات المخلوقين.
فكيف يكون الكتاب والسنة مليئين بآيات فيها ذكر اليد، التي يُفهم منها اليد بالمعنى الحقيقي لا اليد بمعنى القدرة أو النعمة، ثم لا يبين الله ولا رسوله ولا أحد من الصحابة أن المراد الظاهر غير مراد، ألا يكون ذلك من التلبيس والتدليس وخلاف البيان والهدى ونقيض حفظ الذكر وظهور الدين؟!
فهذا بيانٌ واضح في صفة اليد، أعطِه حقّه من التأمل، لتعلم أنّ هذا المنهج الذي ترفضه هو المنهج الوحيد الذي يجمع بين التنزيه وتحكيم النص، في وضوحٍ وظهور، وإن كان قوله تعالى (يد الله فوق أيديهم) يظهر منه المراد، إلا أن الاستدلال فيه يطول، والأخذ والرد في نقض ما أجبتَ به – مما ليس فيه مقنع - على سؤالي عن سخرية الشاعر من الملك مبتور اليدين بقوله "والمملكة في يديك"، وعن كون ثبوت اليد لجنس الإنسان هو الذي سوّغ التعبير بقوله "والمملكة في يديك"، فقد رأيت أن الحكمة أن أنتقل إلى استدلال أخصر وأقصر وأبين وأوضح!
أما السؤال عن كيفية فهم قوله (خلقت بيدي) .. أهو يعني المماسة؟! فنقول: الله أعلم لا ندري عن الكيفية، كالسؤال عن كيفية فهم قوله (تعلقت بحقو الرحمن) .. أهو يعني المماسة؟! فنقول: الله أعلم لا ندري عن الكيفية، وإثبات اليد لله لا يلزم منه نقص، لأننا نثبت له ما يليق بكماله سبحانه، وإثبات الحقو لله لا يلزم منه نقص، لأننا نثبت له ما يليق بكماله سبحانه، ولا ننكر صفةً جاء بها النص بناءً على وهم المتوهمين وشناعة المشنعين، ونعلم أنّ النصوص التي وردت فيها "اليد" أغزر وأكثر وأوضح من تلك التي ورد فيها "الحقو"، لكنّ هذا لا يمنعنا من أن نمر النصوص كما جاءت دون تكييف يفضي أو ينتج من تمثيل، أو تأويل يفضي إلى تعطيل!
أما الأثر (الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح بها عباده) و(الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه أو قبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه)، فما ورد منه مرفوعًا فقد قال فيه ابن العربي (حديثٌ باطلٌ فلا يُلتفت إليه)، وقال فيه ابن تيمية (روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسنادٍ لا يثبت)، وفي إسناده إسحاق بن بشر كذّبه ابن أبي شيبة وأبو زرعة، وأما ما ورد عن ابن عباس موقوفًا، فإنّه ضعيف جدًّا كما قال الألباني رحمه الله، وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو متروكٌ كما قال أحمد والنسائي، وعلى احتمال صحته وهو ليس بصحيح، فإليك مسلك أهل السنة في هذه النصوص، وهو المسلك الذي لا يختلف ولا يتخلف، يقول ابن تيمية رحمه الله: (ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه إلا على من لم يتدبره، فإنه قال {يمين الله في الأرض} فقيده بقوله {في الأرض}، ولم يطلق فيقول يمين الله، وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم اللفظ المطلق، ثم قال {فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه} ومعلوم أن المشبه غير المشبه به، وهذا صريحٌ في أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلًا، ولكن شبه بمن يصافح الله، فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله كما هو معلومٌ عند كل عاقل) اهـ، وهكذا حتى مع الضعيف نلتزم بما ذكرنا من أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أنه لا يقصد الحقيقة، وبالمناسبة فإن ما ذكرتَه عن أبي يعلى ليس هو ما أخذه عليه أهل العلم، وإنما كان استدلاله بالأحاديث الضعيفة والموضوعة في إثبات الصفات هو أساس الإنكار عليه، ولذا قال ابن تيمية رحمه الله في درء التعارض (ولهذا – أي لاستدلاله بالموضوع والضعيف - وغيره تكلم رزق الله التميمي وغيره من أصحاب أحمد في تصنيف القاضي أبي يعلى لهذا الكتاب بكلامٍ غليظ، وشنع عليه أعداؤه بأشياء هو منها بريء، كما ذكر هو ذلك في آخر الكتاب .. مع أن هؤلاء وإن كانوا نقلوا عنه ما هو كذبٌ عليه ، ففي كلامه ما هو مردودٌ نقلًا وتوجيهًا)، وقال عنه الذهبي في السير (ولم تكن له يدٌ طولى في معرفة الحديث، فربما احتج بالواهي)اهـ، فأولى بك ثم أولى أن تتحقق من صحة الحديث قبل أن تعمل في تأويله أو تمن عليّ بضرب الصفح عنه، فالتفسير فرع التصحيح!
وكذلك الحديث الذي تمن عليّ أنك ضربتَ الصفح عنه، وهو (إن كرسيه وسع السماوات و الأرض، و إنه يقعد عليه، ما يفضل منه مقدار أربع أصابع - ثم قال بأصابعه فجمعها - و إن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله)، وكذلك (إن عرشه لعلى سماواته و أرضه هكذا مثل القبة، و إنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب)، فإنّ الأول ضعيفٌ فيه من لا يُعرف، والثاني فيه مدلسٌ لم يصرح بالسماع، ولذا حكم عليهما الألباني رحمه الله بالنكارة، فلم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثٌ في أطيط الكرسي أو العرش، ولم يصح عن أحدٍ من الصحابة رضوان الله عليهم أنه يئط "به"، أو أنه أطّ من "ثقله"، ولذا فقولك (وآثار الصحابة فيها الصحيح والموضوع)اهـ، وما نقلتَه من قول ابن الجوزي (ثم هي مجموعها يسيرة والصحيح منها يسير)اهـ، لا يلزمني إلا إن وجدتني أستدل بحديثٍ ضعيفٍ أو أثرٍ موضوع، وأنا أشترط على نفسي في كل ما أكتب ألا أستدل بحديثٍ ولا أثرٍ إلا إن ثبتت صحته، فكيف حين أكتب عن أسماء الله تعالى وصفاته؟!!
إن تغيير الدعاوى في كل ردٍّ ليس من مصلحة الحوار في شيء، فأنت عندما قلتَ إنّ كلامي عن حديث سجود الشمس كمثل كلامك، كنتَ تحتج بأني أقول بمثل قولك في معنى العرش من حيث لا أدري، فقلتَ (وقد اعترفتم بالتأويل ومفهومنا للعرش – كما ترى أيها المهندس- والسجود وأنهيتم الحوار بالاتفاق دون أن تدركوا)اهـ، وقلتَ (وتدعي في قلب المقالة لاحقا أن العرش ليس له أي معنى من المعاني التي ذكرتها لكم بينما أنت توافقني عليها –كما ترى أيها المهندس الكريم - هنا)اهـ، فكنتَ تزعم أني أوافقك على معنى العرش، وقد رددتُ عليك، وبدلًا من أن تقر – إقرار النبلاء – أنك أخطأت، حوّرت الدعوى إلى دعوى جديدة فقلتَ: (فأولتم حركة منصوصا عليها ذهابا وإيابا بأنها تعبير عن شأن دائم من الطاعة، وأرى هذا اتفاقا معي قاطعا لاشك فيه)اهـ، وقلتَ (لم لم تقل أن جسم الشمس المحسوس يذهب متحركا منتقلا قاطعا المسافات، صاعدا يعرج في الكون كي يسجد تحت سرير العرش المحسوس، تنتظر الإذن. (وتقول هو هكذا الأمر يجب أن يفهم)، بل قلتم : بدوام الخضوع تحت العرش.)اهـ.، وحيث إنك غيرتَ الدعوى فهاك الجواب:
إنني في هذا الحديث أتمسك بشدة بظاهر اللفظ، وعندما يثير الشبهاتِ نصرانيٌّ على معنى هذا الحديث، فإن جوابي عليه يكون بإلزامه بلفظ الحديث، فلا أدري كيف رأيتني لا أتمسك بظاهر النص هنا، بينما أنا أرفض أي لفظٍ يضيفه بعضٌ مثل "صاعدًا يعرج في الكون"، مثلما أضفتَ أنت من عندك ما ليس من لفظ الحديث، وإنما مما تسرب إلى فهمك أو مما سمعته من أهل الشبهات، فالأمر واضح – جدًّا – أني أقول إن الشمس ذاك الجسم المحسوس، تذهب وهي في ذهاب دائم – ضرورة الحس – وتسجد سجودًا يناسب ذاتها، فاختلاف الذوات يلزم منه اختلاف كيفية الأفعال، وهذا السجود يكون تحت العرش المخلوق، وهي دائمًا تحت العرش – ضرورة الحس والنقل – وتستأذن فهي دائمًا تسير بإذن من ربها، وهذا التزام بظاهر النص كما لا يخفى، وهذا ما ذكرتُه بدايةً (إن الشمس ساجدة سجود خضوع تحت عرش الله تعالى، وكل المخلوقات تحت العرش، وسجود الشمس ليس كسجود الإنسان، كما أن تسبيح الطير ليس كتسبيح البشر، ونقول بما يلزم ذلك من دوام سجود الشمس وخضوعها، تحت عرش الله عز وجل)اهـ، أما ما أضفتَه أنت من "صعود وعروج في الكون" فليس في النص حتى ألتزم به .. فأين هنا ما ادعيته من عدم التزامي بظاهر النص؟! وأين ما يحوجنا لتأويل العرش هنا لنجعله بمعنى التدبير؟!
إننا – أيها المهندس – أهل إنصاف، فنعلم أن الصفة الوحيدة التي اختلف الصحابة في ورودها في القرآن هي صفة الساق، نعلم أن قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)، هو الموضع الوحيد الذي اختلف فيه الصحابة رضي الله عنهم، وسبب الخلاف أنّ ظاهر القرآن ليس فيه أنّ هذه صفة الله تعالى، فقد وردت نكرةً غير معرفةٍ ولا مضافة، وهذا اللفظ بمجرده لا يدل على أنها ساق الله، ومن الإنصاف كذلك أن تقف عند الحديث الصحيح (يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة)، والحديث الصحيح (إذا جمع الله العباد بصعيدٍ واحدٍ نادى منادٍ: يلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، فيلحق كل قومٍ بما كانوا يعبدون، ويبقى الناس على حالهم، فيأتيهم فيقول: ما بال الناس ذهبوا وأنتم ههنا؟ فيقولون: ننتظر إلهنا، فيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا تعرف إلينا عرفناه، فيكشف لهم عن ساقه فيقعون سجودًا، وذلك قول الله تعالى: "يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون" ويبقى كل منافقٍ فلا يستطيع أن يسجد ثم يقودهم إلى الجنة)، فنثبت لله تعالى الصفة من الأحاديث الصحيحة، من غير تمثيل ولا تعطيل، ولا يقول عارفٌ بالعربية أنّ الكشف عن الساق لا يأتي إلا بمعنى الشدة والهول، وملكة سبأ لما قيل فيها "وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا " لم يخالف ذلك اللغة، والكشف عن الساق في اللغة هو معنى الحقيقة التي اشتق منها المعنى المجازي كما ذُكر في القواميس، فليست القواميس مطبقةٌ على نفى الساق، ولسنا ننفي وجود الخلاف بين الصحابة في هذه الآية دون غيرها، إلا أن اختلافهم في تفسير الآية لا يعني اختلافهم في فهم الأحاديث، ولا نملك – كمسلمين – إلا إمرار الأحاديث الصحيحة كما جاءت، فنثبت صفة الساق على الوجه الذي يليق بكماله سبحانه.
إننا أهل إنصاف نرحب بالنظر الذي يعتمد على الدليل، لا التحريف الذي لا يقوم إلا على المصادرات العقلية، قال صاحب كتاب "القواعد المثلى .. في صفات الله وأسمائه الحسنى"، عند شرح حديث "من تقرّب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا …الحديث "، قال (فأي مانعٍ يمنع من القول بأنه يقرب من عبده كيف شاء مع علوه؟ وأي مانعٍ يمنع من إتيانه كيف يشاء بدون تكييفٍ ولا تمثيل؟ وهل هذا إلا من كماله أن يكون فعالًا لما يريد على الوجه الذي به يليق؟ وذهب بعض الناس إلى قوله تعالى في هذا الحديث القدسي "أتيته هرولة" يراد به سرعة قبول الله تعالى، وإقباله على عبده المتقرب إليه المتوجه إلى قلبه وجوارحه، وأن مجازاة الله للعامل له أكمل من عمل العامل، وعلل ما ذهب إليه بأن الله تعالى قال "ومن أتاني يمشي" ومن المعلوم أن المتقرب إلى الله عز وجل الطالب للوصول إليه لا يتقرب ويطلب الوصول إلى الله تعالى بالمشي فقط، بل تارة يكون بالمشي كالسير إلى المساجد ومشاعر الحج والجهاد في سبيل الله ونحوها، وتارةً بالركوع والسجود ونحوهما، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، بل قد يكون التقرب إلى الله تعالى وطلب الوصول إليه والعبد مضطجع على جنبه، كما قال الله تعالى "الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم" .. فإذا كان كذلك صار المراد بالحديث بيان مجازاة الله تعالى العبد على عمله، وأن من صدق في الإقبال على ربه، وإن كان بطيئًا جازاه الله تعالى بأكمل من عمله وأفضل، وصار هذا هو ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية المفهومة من سياقه، وإذا كان هذا ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية لم يكن تفسيره به خروجًا به عن ظاهره، ولا تأويلًا كتأويل أهل التعطيل، فلا يكون حجة لهم على أهل السنة ولله الحمد .. وما ذهب إليه هذا القائل له حظ من النظر، لكن القول الأول أظهر وأسلم وأليق بمذهب السلف)اهـ، وفي هذا جواب ما ورد في رسالتك السابقة.
تقول: (هل كلمة الذات تضاف بلا ضابط؟؟ هل قال أحد من الصحابة أننا سننظر لذات الله تعالى؟؟؟ أليس في النصوص أن الله لو كشف الحجب لاحترق الوجود؟؟؟)اهـ.
أولًا: إن رؤية الله تعالى ممكنةٌ عقلًا في الدنيا والآخرة، ودليل ذلك الإمكان العقلي أنّ موسى عليه السلام وهو كليم الله قال (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ)، وكليم الله عليه السلام كان يعلم المستحيل العقلي، إلا أن يرى راءٍ أن عقله أرجح من عقله عليه السلام!
ثانيًا: رؤية الله تعالى ممنوعةٌ في الدنيا كما ثبت في الشرع، والدليل قوله تعالى لموسى عليه السلام (لَنْ تَرَانِي)، وقوله صلى الله عليه وسلم (وإنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)، وقوله صلى الله عليه وسلم (حجابه النور ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، أما في الآخرة فقد قال صلى الله عليه وسلم (فيرفع الحجاب فينظرون إلى وجه الله).
ثالثًا: رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة ثابتة بالكتاب والسنة ولم ينقل خلاف القول بها عن الصحابة رضي الله عنهم.
أما الكتاب فقوله تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، وقوله (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)، قال صلى الله عليه وسلم (إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ وتنجنا من النار!؟ قال: فيرفع الحجاب فينظرون إلى وجه الله فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ).
أما السنّة فقد بلغت حد التواتر كما قال ابن كثير رحمه الله: (وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها)، ومن ذلك (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا)، وقوله (إنكم سترون ربكم عيانًا)، ولما سأله الأصحاب (يا رسول الله أنرى ربنا؟!) لم يقل لهم إن المقصود رؤية نعمته، بل قال لهم (تضامون في رؤية الشمس في الظهيرة في غير سحاب؟! قلنا: لا، قال: فتضارون في رؤية القمر ليلة البدر في غير سحاب؟! قالوا: لا، قال إنكم لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في رؤيتهما).
رابعًا: قوله تعالى "لا تدركه الأبصار"، "فالإدراك أخص من مطلق الرؤية، لأن الإدراك المقصود به الإحاطة، والعرب تقول: رأيت الشيء وما أدركته، فمعنى "لا تدركه الأبصار" لا تحيط به … وقد اتفق العقلاء على أنّ نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فانتفاء الإدراك لا يلزم منه انتفاء مطلق الرؤية".
خامسًا: قد وقف أقوامٌ أمام غابة النصوص، بفكرة مسبقة أنّه لابد من نفي الرؤية في الآخرة، فأخذوا يقولون إن المقصود يرون نعمة ربهم، فاستعمل أهل السنة ما هو من دلالة نصوص الوحيين ومعانيها الحقة لا تخرج عنها البتة، فقالوا يرون ربهم عيانًا، وإضافة لفظ الذات قد ورد في قولهم: استوى على العرش بذاته، وقد تقدم القول فيه من كلام الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله في الرد السابق.
سادسًا: أنت – مرةً أخرى – تخاطب قومًا يضيفون كلمة الذات بلا ضابط، بينما بينتُ في الرد السابق، أن لفظ الذات يضاف في مقابلة الأقوال الباطلة من المخالفين، بألفاظ من دلالة ومعاني النصوص لا تخرج عنها البتة، وانتشر ذلك بين أهل القرون الخيرية كما سبق البيان في الرد السابق، فإن كان اعتراضك على مجرد إضافة لفظ الذات فقد بينت في الرد السابق أنك وصاحب تفسيركم الكبير يستعمله، وأنا – وأنت - نستعمل "بائن من خلقه" رغم عدم ورودها، وإن كان المقصود الاعتراض على إضافة لفظ الذات دون ضابط، فقد سبق أننا لا نضيف إلا في أضيق الحدود وفي وجود أدق الضوابط، والأولى أن يتوجه اعتراضك إلى من يلغي مدلول النصوص إلى المعاني التي لا دليل عليها من كتاب أو سنة أو إجماع أو لغة!
وبهذا يظهر أن قولك (الجواب عليكم أنكم لم تلتزموا بإمرار النصوص كما جاءت) ليس بجوابٍ أصلًا، وأن الأمر على ما سبق، من أننا – إجماعًا - لا نقول في أسماء الله وصفاته بنص ضعيف، وأن النص الصحيح يمر على ظاهره، دون تأويل يفضي إلى تعطيل، أو تكييف يفضي إلى تمثيل، وأن صرف اللفظ إلى معنى آخر يحتمله، لا يكون إلا بشروطٍ نجزم بها أنّ المعنى الآخر هو المراد، ولا نكتفي بمجرد احتمال اللفظ لهذا المعنى لنصرف اللفظ إليه من غير دليل إلا التحكم وتحكيم العقل على النص!
خلاصة الأمر بالنسبة للأصول الخمسة الواردة في الردود السابقة.
بالنسبة للأصل الأول عن الألفاظ من حيث ورودها في الكتاب والسنة والإجماع من عدمه، فقد تبين أن ما أخذته علينا من ألفاظ كتوحيد الصفات وصفات الذات، ليست في ذاتها من البدعة في شيء، ووافقتَ على أنّ ذلك من التنظيم والاستقراء الذي لا اعتراض عليه، ولكنّك رغم ذلك تكرر نفي ألفاظٍ لم ترد في الكتاب ولا السنة ولا كلام أهل الإجماع، ومن خلال هذا النفي للكلمات المحتملة تنفي الصفات، مثل التبعيض والجوارح وغير ذلك من ألفاظ لم ترد.
الأصل الثاني المتعلق بأن بيان المتكلم وفصاحته ونصحه تمنع أن يريد بكلام خلاف حقيقته، وحمله على غير ظاهره وظاهر الكلام هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، وموقفك من تعريف "ظاهر اللفظ" مضطرب، وتعريفك الذي ذكرتَه صراحةً ليس لك فيه سلف ولا عند أهل التأويل الفاسد، وعاقبة الاقتصار عليه إلغاء حاكمية الكتاب والسنة وتحكيم العقول.
الأصل الثالث عن أنّ النصوص تمر كما جاءت، وأنّ الكلام في الصفات كالكلام في الذات، فقد اتهمتنا بأنّ لا نمر النصوص كما جاءت ورددت عليك، وبينت لك ما لم تعلمه من معتقدنا ومذهبنا، ولكنك أنت الذي ترفض أن تمر النصوص كما جاءت، وإن وافقت على هذا الأصل بالكلام، وتذكر تشنيعاتٍ عديدة يكون الرد عليها أنه ليس كمثله شيء وأن الكلام في الصفات كالكلام في الذات.
الأصل الرابع وما في البند الثالث أن الخطاب المجمل قد أحيل بيانه على خطاب آخر، وهذا لا يجوز تأويله إلا بهذا الخطاب الذي يبينه، وليس في كلام الله خطاب مجمل لم يبيّن، وليس في الكتاب والسنة إحالة إلى مبدأ يختلف الناس في تطبيقه، وهذا هو الذي تمهلت في التعقيب على تعليقك عليه، وتوقعت أنك لا تقصد ذلك، وقد كان، وأنتظر تعقيبك عليه من خلال الأسئلة في آخر الرد.
والأصل الخامس وهو أصل المبتدعة في تقديم العقل على النص، وسألتك فيه على فعل الرازي، وقوله بحتمية التأويل بناءً على وهمٍ أن حملة العرش يستلزم من فعلهم احتياج الله لهم، مع أنّ هذا ليس بلازم، كما أنّ نزول الملائكة بالوحي لا يعني احتياج الله لهم، بل الله هو الذي يحمل العرش وحملته، ويحفظ الوحي وحملته، فاستحسنت كلام الرازي، وهو نفى الجهة ونفيها لم يرد في النص، وادعى أن حمل الملائكة يلزم منه الاحتياج وليس بلازم، وبناء على هذين الأمرين اللذين وصل إليهما بعقله لا غير، قال بحتمية التأويل، فكيف يكون تقديم العقل على النص إن لم يكن هكذا؟!
أما الكلام على "مصطلح الصفات" فلم يكن كلامك واضحًا إلا في هذا الرد الرابع، والخلاصة أنّ الله منزه عن وصف الكافرين، وأن المؤمنين يصفون الله عز وجل بما وصف به نفسه، من غير إفراط ولا تفريط، وقد كنتَ قبلَ ذلك تذكر كلماتٍ ليس فيها من الوضوح شيء، فلا تلمني إن فهمت أنك تحاول اللمز في الصفات، وقد بقي الاتفاق على منهج إثبات الصفات لله عز وجل، ونحن في الطريق لذلك بإذن الله تعالى.
العرش والأسئلة المتوجهة إليك والتي أجبتَ فيها بما نجزم به ببطلان مذهبك!
سألتك عن نصّ عن الصحابة يقولون فيه بمثل ما تقول، من أنّ العرش هو مجموع الصفات، أو أن العرش نوعان، أو أنّ "رب العزة كرب العرش"، فما جئتَ بنصٍّ واحد يقول فيه أي واحد من الصحابة ولو في أثر ضعيف يقولون فيه بمثل قولك في معنى العرش، وسألتك عن قول ابن مسعود رضي الله عنه (والله فوق العرش)اهـ، ولمَ لم يقل ابن مسعود "فوق عرش العز" والحاجة داعية لهذا البيان، وابن مسعود رضي الله عنه لم يكن عي اللسان، فكان جوابك (وكلام ابن مسعود يؤول لكلامي، والألفاظ تتشابه)اهـ، وهذا ليس فيه جوابًا لسؤالي عن السبب في عدم ذكر ابن مسعود للفظ "العز"، فإجابتك حيدة عن جواب السؤال لجواب سؤالٍ لم أطرحه أصلًا!
ذكرتَ في معاني العرش غير المخلوق أنه صفة التدبير(1) وصفة العزة(2) ومجموع الصفات (3)، وتوجه تجليات الله(4)، وفيوضات الربوبية والرحمة والملك (5)، وسألتك عن كيفية الجمع بين هذه المعاني المضطربة التي لا يمكن الجمع بينها، فإنّ "عرشه على الماء" لا يمكن أن تؤولها إلا من خلال التأويل الرابع، بينما "يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية" لا يمكن أن تؤولها إلا من خلال المعنى الخامس، في حين أن "استوى على العرش" تؤولها من خلال المعاني الثلاثة الأولى، فما كان ردك على هذا إلا أن أضفتَ معنى لا يحل الإشكال الوارد عليك في شيء، فقلتَ (اسم لصفات الله التنزيهية)اهـ، وهكذا ففوق كونك لا تجد دليلًا يصرح بهذه المعاني، فأنت لا تستقر على معنى واحد للعرش غير المخلوق، بينما لو أنك قلتَ بقولي وفهمت مثل فهمي لأعملت جميع النصوص بمعنى واحدٍ من غير تناقض ولا اضطراب!
وسألتك عن احتمال لسان العرب لحمل العرش على معنى مجموع الصفات التنزيهية، فأجبتني بكلمتين من القاموس المحيط، وقد سبق ذكر قيمة هذا الأسلوب في هذا المقام من البحث، وسألتك عن نصٍّ في الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة أو القرون الخيرية فيه صراحةً أن العرش هو صفة التدبير أو العزة أو مجموع الصفات، فلم تأتني بشيءٍ، وادعيت أن العرب كانوا يعرفون بفطرتهم الجاهلية أن العرش ب
المزيد