بسم الله الرحمن الرحيم
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . بسم الله الرحمن الرحيم " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" اللهم صل علي محمد وعلي آل محمد كما صليت علي إبراهيم وعلي آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد .اللهم بارك علي محمد وعلي آل محمد كما باركت علي إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد "
…من كرامات الصادقين: فإن تمهيد القرآن يُحرّك الروح إلى عبادة الرحمن، ويحرّك العباد إلى أن ينتجعوا حضرتَه بإمحاض النيّة وإخلاص الجَنان، ويَظهَر عليهم أنه عينُ كل رحمة وينبوعُ جميع أنواع الحنان، ومخصوص باسم الرب والرحمن والرحيم والديّان، فالذين يطّلعون على هذه الصفات فلا يزايلون أهلَها ولو سقطوا في فلوات الممات، بل يسعون إليه ويوطنون لديه بصدق القلب وصحّة النيّات، ويتراكضون إليه خيلَهم ويسعون كالمشوق، ويضطرم فيهم هوى المعشوق، فلا يناقش أهواءٌ أخرى عند غلبة هوى رب العالمين. فثبت أن في تمهيد هذا الدعاء تحريكا عظيما للعابدين، فإن العبد إذا تدبّرَ في صفات جعَلها الله مقدّمة لدعاء الفاتحة، وعلِم أنها مشتملة على صفات كماله ونُعوت جلاله باستيفاء الإحاطة، ومحرّكة لأنواع الشوق والمحبة، وعلِم أن ربّه مبدأٌ لجميع الفيوض، ومنبع لجميع الخيرات، ودافعٌ لجميع الآفات، ومالكٌ لكل أنواع المجازاة، منه يبدأ الخَلق وإليه يرجع كل المخلوقات، وهو منـزه عن العيوب والنقائص والسيئات، ومستجمِع لسائر صفات الكمال وأنواع الحسنات، فلا شك أنه يحسَبه مُنجِحَ جميعِ الحاجات، ومُنجِيًا من سائر الموبقات، فيكابد في ابتغاء مرضاته كلَّ المصائب، ولو قُتل بالسمّ الصائب، ولا يُعجِزه الكروبُ، ولا يدري ما اللغوب، ويجذبه المحبوب، ويعلم أنه هو المطلوب، وييسِّر له استقراءَ المسالك لتطلُّب مرضاة المالك، فيجاهد في سبله ولو صار كالهالك، ولا يخشى هولَ بلاء، وينبري لكل ابتلاء، ولا يبقى له من دون حُبِّه الأذكار، ولا تستهويه الأفكار، وينـزل من مطيّة الأهواء، ليمتطي أفراس الرضاء، ويَضْفِر أَزِمّةَ الابتغاء، ليقطع المسافة النائية لحضرة الكبرياء، ويظلّ أبدًا له مُدانِيًا، ولا يجعل له ثانيا من الأحبّاء، ولا يَعتوِرُ قلبه بين الشركاء، ويقول يا ربّ تسلَّمْ قلبي، وتكفيني لجذبي وجلبي، ولن يُصبِيني حسن الآخرين.
ما ذكرتموه من الأصل الأول وتناول تعقيبي عليه!
موضوع العرش هو الله :
كررت حضرتك الإمساك بالحرف علي، حين كنت أقول بالتعبير بقولي : هو هو أي أن تعبير : في ظله، و : في ظل عرشه، و: لا ظل إلا ظله، يبين أن تجليات رحمة الله هي ظل العرش، وهو ظل ليس من حر الشمس وحدها بل من كل نوع من البؤس، والجنة هي دائما في ظل العرش رغم انتهاء يوم الحساب، وبداية عهود الخلود. وهي الكلمة المعبر عنها بأنها ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، أي انعكاس صفات رحمة الله التي تسمى ظل الله، فلا تمسك لي على الحرف ذريعة للوم، ولا تستكثر من ذلك. ولا تدّع علي أنني ألمز الصفات، ولا تبحث لي عن تهم، ولا تتحدث عن الاستتابات فهذا ليس من شيم العلماء الأجلاء.
رد على موضوع القائلين بصفات الذات وقولك بإحكام بلا إسراف:
لا اعتراض على التقسيم والتنظيم والتعليم، ولكن بشرط ألا تستقرأ نصوص الشرع بما يؤدي لخطأ عقيدي مثل حشد نصوص متشابهة مع الجوارح المخلوقة وترتيبها مع شرح هيئات فلكية عن الكرسي والأقدام مما يخرج الموضوع عن كونه استقراء ليكون عنفا يضطر عقل المتعلم إلى أضيق الطريق وأشده عوجا.
هم يسرفون عندما يرتبون صفات الذات كما يرونها مجتمعة، ويعلمونها في فصل دراسي، مما يرغم فكر الطالب على تشرب فكرة رسم ملامح الذات الإلهية، وتصور أن هذا هو معرفة وصف الذات، ولكن بطريقة فخمة شفافة هائلة الحجم..
كل شيء هالك إلا وجهه ، أي إلا هو، وأخذ النصوص بحرفية سطحية ينتج عنه أن كل شيء هالك حتى ذات الله إلا وجهه، والله جعل الحجر الأسود بمثابة يمينه في الأرض، وأثبت الله كماله ووجوده بكل ما جاء في وحيه، ولكن القائلين بالقدمين من المدرسين لمناهج : صفات الذات، لم يحكموا، لأن نقد المتن مهم، ومحال أن يكون للذات قدمان، وإلا بررنا لمن يقول : يمشي بهما ويهرول بهما، جريا على طريقة القاضي أبي يعلي بأن لله عينين (يرى بهما)، والباء للاستعانة، كما لا يخفى، وحاشا لله أن يستعين بشيء ليرى.. ومن العجيب أن كثيرا منهم يلجأون لتأويل حديث الهرولة ولا يؤلون آية الأعين.. ولذلك يجب عليهم نقد نص : أن الكرسي موضع للقدمين، والله تعالى متقدس سبحانه عن ( المواضع) أوأن يكون له جوارح تشعر بالتبعيض، ومن ذلك قولهم بالقدمين ولهما موضع، وقولهم بالكرسي الحسي الذي هو موضع لقدمي الله تعالى الله وحاشاه، وقولهم أن الكرسي الحسي ذو حجم محدود وهو مشمول داخل فضاء العرش العظيم، وبالتالي فهو داخل الكون المخلوق، وكون القدمين متموضعتين على الكرسي فهو تصور يدفع فهوم السامعين من المتخرجين في مدرسة الدعاة إلى ركن ضيق، ويتصورون إن شيئا من ذات الله صار داخل الوجود، وقولهم بالساق، يجعل هؤلاء السامعين يتصورون رغم أنوفهم امتدادا من القدمين للساق، ثم بقية الذات خارج الكون على العرش.. رغم وجود روايات عديدة عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم أن الساق هي الشدة والهول، ورغم إطباق القواميس على أن الكشف عن ساق هو مفاجآت الله بالشدة والهول الذي ادخره الله للضالين، وعدم إحكامهم جاء كما يقول ابن الجوزي رحمه الله في دفع شبه التشبيه: ثم لم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم الأحاديث جملة، وإنما كان يذكر الكلمة في الأحيان، فقد غلط من ألفها أبوابا على ترتيب صورة غلطا قبيحا، ثم هي مجموعها يسيرة والصحيح منها يسير، ثم هو عربي وله التجوز .أهـ
الأصل الثاني وتناول تعقيبي!
لقد بينت لكم الظاهر والسياق من آية الكرسي بما يدعم صحة رواية ابن عباس رضي الله عنهما، وبما يجزم أن الكرسي هو صفة العلم الرباني، والذي سميت أعظم آية في القرآن باسمه، لأن أسماء العلم وأسماء الرحمة هي الأغلب نسبة أو ذكرا في كلام الله، وصفات العلم هي الأكثر ذكرا من صفات الرحمة.
وسؤالك عن من يختلف مع أخيه في حكم وفي تصوره عن ظاهر النص وسياقه، فالجواب هو: فليجلس معه وليحاوره ويبين له من النصوص المجموعة ما لم يجمع أخوه، ومن دلائل القرآن على التنزيه ما لم يدرك أخوه، ومن روائع ترابط السياق مما ركز هو عليه ولم يستجمع لبحثه أخوه، وإن يريدا إصلاحا هما الاثنان، وفق الله بينهما وأراهما، فإن لله تعالى في هذا الأمر القضاء والهداية. وليس في هذا إبطال لشيء من التحاكم للكتاب والسنن.
إننا لم نلغ شيئا من آثار الصحابة، إلا ماظهر شذوذه واعتلاله، وآثار الصحابة فيها الصحيح والموضوع، ويجب نقدها عندما تتعارض مع الثوابت الإسلامية، كما هو الحال في رواية أبي هريرة أن كل مولود يمسه الشيطان وهو يولد إلا عيسى بن مريم، ثم لا ينبغي فهم آثار الصحابة الصحيحة أيضا بطريقة حرفية ونقول بعدها ( هو هكذا) ونحن نعلم أنهم عرب يتكلمون بمجاز العرب ويروي عنهم الراوون بالمعنى كثيرا بما يتعارض مع اللائق بالله.
وخوفك على ما سيبقى بعد هذا لا مبرر له، وسيبقى الكثير بعد هذا بحمد الله ولقد بقي كل شيء وأتم الله النعمة وعلم الإنسان ما لم يكن يعلم.
الأصل الثالث:
قلت لك فيه :لا خلاف، وتصر أنت على وجود الخلاف هنا، وأحاول بكل الجهد العثور على نقاط اتفاق وهي كثيرة، لكنك تجاهد في تبيان الاختلاف، وأقول لك أن صريح العقل فعلا هو ظاهر النص، ويلزمنا الحوار ليشرح كل منا للآخر وجه الالتباس عن أخيه ليتبين سر التباعد، وليظهر الظاهر الفعلي، لا الظاهر كلاما.
الأصل الرابع وتعقيبي عليه!
في البند الثالث أنت قد قلت فيه جملتين:
جملة 1 ـ الثالث: الخطاب بالمجمل الذي أُحيل بيانه على خطاب آخر، فهذا أيضًا لا يجوز تأويله إلا بالخطاب الذي يبينه، وقد يكون بيانه معه، وقد يكون بيانه منفصلًا عنه.
جملة 2 ـ والمقصود أن الكلام الذي هو عرضة التأويل أن يكون له عدة معان، وليس معه ما يبين مراد المتكلم، فهذا التأويل فيه مجال واسع، وليس في كلام الله ورسوله منه شيء من الجمل المركبة.
ربما لم أفهم جملة 2، ما المقصود وما المجال الواسع، وقد فهمت الجملة الأخيرة: وليس في كلام الله… الخ، أنها تتكلم عن الجملة 1، من خطاب مجمل يحال إلى خطاب آخر، وعندي أن القرآن يكثر من سؤاله أفلا تعقلون، ويحيل للسان العربي أنه تنزل به كلام الله، ويحيل إلى مبدأ تنزيهه عما يصفون، لبداهة استحالة لصوق ما لا يليق به تعالى، فعذرا لو لم أسألك توضيحا للعبارة وعذرا للخطأ لو كنت أخطأت فهمها.
أصل المبتدعة وتعقيبي عليه.
تسألني عن كلام الرازي (فلو كان الإله في العرش للزم الملائكة أن يكونوا حاملين لله تعالى وذلك محال، لأنه يقتضي احتياج الله إليهم، وأن يكونوا أعظم قدرة من الله تعالى وكل ذلك كفر صريح، فعلمنا أنه لا بد فيه من التأويل)، وقوله (لما دلت الدلائل على امتناع كونه في المكان والجهة ثبت أنه لا بد من التأويل)؟! وتقول: أليس هذا من القول بحتمية التأويل بناءً على أمورٍ ليست من الدين وإنما هي من الوهم؟! والجواب أن الرازي في هذا المقام عندما رأى أحدا يجعل الوهم من الدين فيقول أن تأويل النص ليس هكذا، فإنه في النهاية يقصد أنه لا يفهم هكذا، وما التأويل سوى حسن الفهم، ولم يرتكب خطأ فيما أرى.
الصفات والعرش:
حديث سجود الشمس .. موافقة أم مفارقة!
لم لم تقل حضرتك بظاهر النص حسب مفهوم الظاهر المتداول ؟؟ ولم لم تقل أن جسم الشمس المحسوس يذهب متحركا منتقلا قاطعا المسافات، صاعدا يعرج في الكون كي يسجد تحت سرير العرش المحسوس، تنتظر الإذن. (وتقول هو هكذا الأمر يجب أن يفهم)، بل قلتم : بدوام الخضوع تحت العرش. فأولتم حركة منصوصا عليها ذهابا وإيابا بأنها تعبير عن شأن دائم من الطاعة، وأرى هذا اتفاقا معي قاطعا لاشك فيه.
رأيك في مخالفتي لما سبق ووافقتك عليه:
الجواب عليكم أنكم لم تلتزموا بإمرار النصوص كما جاءت بل قلتم أن الناس أحدثوا إنكارات فأحدثنا إثباتات الصفات، ولكن كما ترون فقد تبين أن في الإثباتات أخطاء، وأرى أن الوهم الذي يقوم في ذهن العوام إنما جاء من قبل تبسيط الأمر لهم، وكسل المدرسين وضعف تحصيلهم، وإيثارهم مع الناس تطمينهم على كسلهم تجاه القرآن وأنهم مع أنهم أغمار جديرون بفهم الأشياء العليا في القرآن كأسرار استواء الله على العرش، فهذا أدعى للراحة من مشقات الفهم، والمجاهدة في الله لنيل الهدى، ويتخرج الدعاة الآن بالجملة من طريقة خطأ في ترتيب تدريس نصوص تتعلق بالصفات، مع إضافة صفات للذات ليست صفات، ويزول الوهم بإعادة طرق التعليم، ومن واجب العالم أن يبين لهم لا أن يحرّف النصوص كما قلت، وأن يعلمهم التأويل الحق كما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحبه، وهو التفسير الصحيح نظرا لكل عوامله من تقوى وجمع للنصوص، وصحة استنباط موازين الفهم المحكمة، ولسان عربي له طبيعة بليغة، وكون محيط بنا أحال القرآن إليه لنعقل.
إضافة لفظ الذات!
يجب تنزيه الذات عما لا يليق، وتضاف كلمة الذات لما يليق بالذات، فحرفا( أل) في الحمد لله تبين الشمول والسمو والكمال، كما أن أل في قوله تعالى : ذلك الكتاب، تشير إلى كماله الجامع وعظمته الذاتية. والحمد لله بكل معاني أاـ يتنافى مع أقدام توضع على كرسي، كرسي هو جزء حدود في فضاء كوني شاسع يضمه العرش ، قدم توضع في نيران لتحد من شراهتها.
وسؤال لحضرتك : لم لم تعلق عند تطبيقي للأصول على موضوع وضع القدم في جهنم، والنسب الحجمية التي سيعلق عليها أعداء الإسلام ويظهرون فيها للسذج من قومهم أننا مجسمة، ويرفض الكثير تفسير ابن الجوزي للنص أنهم مقدموا الكافرين، من أعاظم أهل النار الذين يتأخرون في دخول جهنم بعد إتمامهم الزج بأقوامهم في النار، وتتغيظ النار عليهم حتى يضعهم الله فيها فتكتفي، وهذا مثال من وجوب استعمال كلمات اللسان بضوابط، فلايقال يضع الله تعالى وتقدس قدم ذاته في النار فينزوي بعضها على بعض، لتنزه الذات عن الأقدام.
هل كلمة الذات تضاف بلا ضابط؟؟ هل قال أحد من الصحابة أننا سننظر لذات الله تعالى؟؟؟ أليس في النصوص أن الله لو كشف الحجب لاحترق الوجود؟؟؟
ومازلنا مع "مصطلح" الصفات:
لا أنفي صفة ولكن لا أرى أبدا لذات الله أقداما وساقا وحقوا، وتساق النصوص وتترك هكذا للعامي والغمر دون تأويل ينزه الله، وأرى يا أخي العالم أن الله قريب من كل شيء خلقه تعالى بنفس الدرجة، فليس الله قريبا من السماء السابعة أكثر من قربه من الأرض، كيف؟؟ لاأدري، ولكن كل من وكل ما خلقه الله فهو على نفس درجة القرب منه القريب، ولا أقول هم على نفس المسافة، فلا اعتبار لكلمة المسافة في مفهوم قرب الله من خلقه.
كما أن الله في السماء، اللائقة به، لأن أل هنا = هي الأليق به، وبصرف النظر عن خلق السماء، وهو فوق خلقه حتى دون خلقهم.
ولقد قال الله تعالى عن إدريس : ورفعناه مكانا عليا، ورغم ذلك اللفظ : (مكانا) يتفق الجميع أنه رفعه بروحه ودرجته. والله بلا شك يقصد: أنه (رفعه إليه) فلماذا عيسى عليه السلام ليس كذلك؟؟ .
إذن فالنصوص تفهم برحابة أفق، ولا نفي عندي للصفات فلنسترح من هذه التهمة للأبد، ولكننا نسعى لإصلاح الكلام في الصفات، وتعليم الناس أن الله لم يقصد أبدا بقوله: بل رفعه الله إليه أنه يشد جسد نبي بالجسم من الأرض ناحية فوق، حيث يشير الأصبع، ليكون حيا هناك وأقرب جسما إلى ذاته سبحانه فتقل المسافة بينه وبين الله.
تحت عنوانكم : هذا .. ما اسمه؟!
ردا هنا على: سؤال جوابه نعم أو لا : هل تقول إن القرآن الكريم نزل بألفاظٍ يتبادر إلى ذهن العربي عند سماعها معانٍ غير صحيحة؟!
فأقول: لا.
بل الــــ (عربي ) الحقيقي يتبادر لذهنه المعنى الصحيح.
ثم أستميحكم فرصة إيضاح : أن "العربي" ليست هنا كلمة مبسطة، بل متسعة المعاني، فالعربي الصحيح يتبادر لذهنه عرش العزة فور سماعه سؤالا: من رب العرش العظيم؟؟؟
ثم إن شيمة تحديد الطلب بنعم ولا ليست من شيم وأريحية البحث، بل هي وسائل وكلاء النيابات الذين يبحثون في استجوابهم عن توريط وعن تهمة.
تحت عنوان قولك : تعود إلى "معاني" العرش دون أن ترد على أسئلتي في الرد السابق: سألتم وأجيب:
- آلعرش هو صفة التدبير أم صفة العزة أم مجموع الصفات أم هو أنواع أم هو توجه تجليات الله أم هو فيوضات الربوبية والرحمة والملك أم هو هو الله ذاته؟!
الجواب، هناك عرش مخلوق هو انعكاس العرش الذي استوى الله عليه؟ والعرش الذي استوى الله عليه هو اسم لصفات الله التنزيهية التي ينفرد بها الله جل جلاله، وهي الواردة في سورة الإخلاص، وهو بلا شك عرش العز الأعز، وتنكشف هذه الصفات التنزيهية من خلال الصفات الأربع الواردة في سورة الفاتحة تتجلى على الخلق فيكون، وتقوم مقام القوائم للعرش الرباني، التي يحمل فيوضها الملائكة لمن دونهم، كحمل الناس للأمانة لاحمل سرير مادي، ونحن لاندرك عظمة الصفات الواردة في الإخلاص إلا بفضل الصفات المتجلية الواردة في الفاتحة حين نتأمل تفاصيل الخلق والرحمانيات المنبثة فيه وفي تاريخ الرسل والصالحين وسطوة المالكية .. وهم الآن أربعة رؤساء ملائكة، وينضم لهم أربعة آخرون لمزيد الفيض يوم القيامة. فيكون الجملة ثمانية.
-سؤالكم : لم اضطررتَ نفسك إلى ذلك؟! وما يضرك إن أخذت اللفظ على ظاهره، فقلتَ إن العرش كما هو المعنى المتبادر للأذهان، وأن الله تعالى مستوٍ عليه، بائنٌ من خلقه، غنيٌّ عن العرش وحملته؟! ما يضرك وما يضرنا من هذه العقيدة الصافية التي لم ينقل خلافها عن الصحابة؟
الجواب: قولك السابق صحيح ولم أنكره. غير أن المتبادر للأذهان يختلف، وذلك حسب فراغ الوعي لله، وصحة التركيز في فقه كلام معنون عنه أنه هو كلام الله، وصحة اللسان وصحة الفطرة وصحة العلاقة مع الله.
-سؤالكم إنك تنطلق من هذا الذي ذكرتَه، فتنظر في قول مجاهد (استوى : علا على العرش.)، فتقول ( فالله علا على عرش العزة)، فهل كان مجاهد رحمه الله عيّ اللسان لا يستطيع الإبانة فيقول بمثل قولك "علا على عرش العزة"
- ثم تنطلق منه كذلك، فتنظر في قول ابن مسعود رضي الله عنه (والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم) ، فتقول (فهو يقصد أنه على عرش العزة يحكم الخلق ويدبر الأمر)، فهل كان ابن مسعود رضي الله عنه عيّ اللسان لا يستطيع الإبانة فيقول بمثل قولك (والله فوق عرش العزة) والفرق بين قولكما كلمة "العزة"؟؟! فلمَ لم يذكرها ابن مسعود والحاجة داعيةً إليها؟؟! لم لَم يذكرها فإن ظاهر الكلام يجعلنا نقول بمعنى العرش المتبادر للأذهان؟؟!
الجواب على النقطتين: الله فوق العرش المخلوق وعليه وفوق كل مخلوق لا يخفى عليه عملنا، والله مستو على عرش العز لا يخفى عليه شيء، وكلام ابن مسعود يؤول لكلامي، والألفاظ تتشابه، ولو كان ابن مسعود معنا الآن ورأى الحوار فسيقف بجانبي بشكل أكثر من وقوفه بجانبك. والله على ما أقول شهيد، وهو ربي يعرف سري وعلني وهو يفصل بين المختلفين يوم العرض.
لقد قال الله تعالى وتقدس ما قال، ورغم ذلك يحدث الفهم الخطأ، والرسول صلى الله عليه وسلم قال ما قال ورغم ذلك أضيف لقوله أو فهم خطأ، وروي عنه الصحابة فروى الناس عنهم بالمعاني التي رويت بدورها بالمعاني. وليس ابن مسعود وغيره استثناء.
-سؤالكم : هل هناك نصّ في الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة أو القرون الخيرية، هل هناك نصّ فيه صراحة أن العرش هو صفة التدبير أو العزة أو مجموع الصفات؟!
الجواب : العرش بمعنى العز هو عرش يمكن الاستدلال بالفطرة على معناه، والسماع من الوحي يفصله.. والوحي بمعنى السرير يقتصر الإيمان به على السماع من الوحي. ولقد تحدث الله في القرآن عن عرش يمكن الاستدلال عليه، الصحابة جاءوا من الشعب العربي، والله قال لهم في سورة المؤمنون مستفهما عن فهمهم الفطري: قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم؟؟ سيقولون لله . فهل أجابو بسرعة عن عرش عرف من السماع؟؟
الربوبية واضحة للمخلوق، ولكن رب العرش مشتركة المعنى، فلو كان المسئول عنه عرشا سماعيا (السرير) لما أمكنهم القطع بالإجابة، فثبت قطعا من الآية أن المقصود عرش هو صفة، الله ربها، وتليق بالله في الفطرة، ويجيب عنه البشر بسرعة: لله، مساوين له بربوبية الخلق.
لايمكن للصحابة فهم العرش الذي تسجد تحته الشمس غير عرش عزته وسلطانه تعالى.
ولا يمكن للصحابة نسبة حقو للرحمان تعالى تتعلق به الرحم إلا أن يكون تعلقا بالرحمانية ، وحضرتك لم تبين لي فهمك لهذا النص، فهل تنسب للذات حقوا ؟؟؟ والحقو معقد الإزار.
- سؤالكم: إنك تميّز بين نوعين من العرش، الأول (العرش الحق وهو صفات الله وتجلياتها على الخلق) والثاني هو (العرش الظلي، الذي تتجلى فيه رحمات الرحمان)، وهذا الثاني هو (عرش الله الجلالي الذي هو ظل للعرش الكريم من صفات الله)، فما دليل هذه القسمة؟! وما أصل هذا التفريق؟؟ ما الدليل من كتاب أو سنة أو لغة الذي استندت إليه في التفريق بين العرش المذكور في ساحة العرض والعرش في سائر النصوص، من كتابٍ أو سنةٍ أو إجماع وفقك الله؟!
الجواب : ذكرت لكم استخدام ذو مع الصفة، وبينت أن الرواية الأليق بالكرسي هي العلم، ومن ثم تكون النسب المذكورة بين الكرسي والعرش نسبة تقرب عظمة صفات، وبينت من الكتاب أن( أل ) تضاف للشأن الأعلى، والأليق باستواء الذات هو العرش الأعلى وهو عرش العز. وتبقى لله ربوبية العز وربوبية العرش الذي هو سقف الجنة. الثابت وجوده من النصوص أيضا.
سؤالكم - ماذا عن احتمال لسان العرب لهذه المعاني؟! ولا يكتفى هاهنا بنقل كلمتين من القاموس المحيط لتقوم بذلك حجة، بل الاحتجاج باللغة في مثل هذا الموضع له أصوله التي لا ينبغي أن تكون خافيةً على مثلك وفقك الله، فهل هناك في كلام العرب وجه لحمل معنى العرش على صفة التدبير وصفة العزة ومجموع الصفات بل على الذات الإلهية؟!
الجواب : العرش السرير والعز، عندما تقترن الكلمة بالله يقضي لسان العرب أن العرش لابد وأنه عرش العز، ودليل ذلك أن الله عندما يسأل : قل من رب السموات السبع ورب العرش؟؟؟ يسأل من لاثروة له غير لسانه وعقله، فيجيب: لله . فإذا جاء السمع بعرش مخلوق صارت إليه العقيدة وخدمتها اللغة أن الله ربه. ورب العزة أيضا.
وأضيف سؤالا : قولك (والفوقية ثابتة قبل أي عرش وبعده) هل هذا يشمل العرش الذي هو "مجموع صفات الكمال" عندك، أم أن هذه "لغة البشر للتفهم"؟!
الجواب : الفوقية هنا هي فوقية الله على المخلوقات من عرش وغيره.
ما زدتَه في "الاستدلال" على معنى العرش
موضوع دلالة : ذو العرش !
ترد علي أيها العالم بأن هذا الكلام قد يصح لو كان 1 ـ يستحيل في اللغة أن تضاف "ذو" إلى مخلوق، 2 ـ أو أن يكون العرش مخلوقًا، ولكنّ العكس هو الصحيح، وأنت نفسك تقول بـ "صحة احتمال وجود عرش مخلوق والله ربه".
والجواب أن ذو تضاف لمخلوق عند الكلام عن المخلوق، وهي تضاف مرة لصفات المخلوق ذاته، ومرة لممتلكاته. فهي إضافة حتمية هنا للمخلوق، فكل ماعدا الله فهو مخلوق، وكل متعلقات المخلوق مخلوقة، فالمخلوق سيكون لامحالة ذا (مخلوق)، الرجل ذو مال وذو أنفة وذو فضل وذو مشاغل.. ولكن اطرد استعمال ذو في القرآن عن الله خاصة لصفاته، أو لممتلكاته من الكمالات، لالممتلكاته المخلوقة.
والردعلى ماورد بنقطتك هنا ( ثانيا) : أن الله لما كان قد استوى على عرش العز والكمال، وكان له عرش خلقه وهو سقف للجنة وهو ربه، وهو فوق كل ماخلق سبحانه، بأعلى معاني الفوقية، وكان الله قد استعمل رب العرش للمخلوق وللصفة، فأراد برحمته فصل معنى العرش الصفة عن العرش المخلوق باستعمال لفظ : ذو..
وقلت:
ثالثًا: أنت أسأت فهم كلامي أو أسأت تطبيقه، فإن قولي في القسم الثاني من الألفاظ من حيث قبول التأويل من عدمه (ما هو ظاهرٌ في مراد المتكلم وإن احتمل أن يريد غيره، فهذا يُنظر في وروده، فإن اطرد استعماله على وجه استحال تأويله بما يخالف ظاهره، لأن التأويل إنما يكون لموضعٍ جاء خارجًا عن نظائره، فيؤول حتى يرد إلى نظائره، وهذا هو المعقول في الأذهان وفي الفطر وعند كافة العقلاء)، فالكلام هنا عن استعمال اللفظ، لا عمّا أضيف إليه اللفظ، وشتان بينهما عند العربيّ!
والجواب
أن معنى كلمة العرش كصفة تحددت من استعماله مع كلمة ذو. كلمة العرش لاتأتي في صحراء، بل في جمل.. فتبين لنا استعمالها على أنها صفة للرحمان، واطرد استعمال كلمة العرش مع ذو دائما كصفة فيصار إليه، والكلمات تتنزل في كلام الله أجزاء من جمل.. مقدمات السور بالحروف المقطعة لها وضع خاص، واطراد استعمال الألفاظ هو اطراد معانيها في علاقتها بما حولها من الكلمات.
عنوانكم : قولك بعرش مخلوق !!
تقول (صحة احتمال وجود عرش مخلوق والله ربه، فيكون الله رب العرش ذا الظل يوم القيامة .. هناك عروش منها عرش ذو ظل ، وهو ظل الجمال والكمال الإلهي أو انعكاس للعرش الرباني ومرآة لأنواره، وهو كما ذكرنا من المخلوقات، هو عرش سمي بالاسم تشريفا. وهو عرش اهتز لموت عبد صالح، ويحمله ملائكة ثمانية تذكرة بحملة فيوض الله للخلق، وتحف به ملائكة مؤمنة بالله مسبحة.)اهـ.
فما يضرك أن تجعل هذا هو معنى العرش في سائر النصوص كما أفعل؟! وما يضرك أن تقول إن الله علا فوق عرشه كما تقول إنه سبحانه علا فوق سبع سماوات؟؟ وما يضرك أن تقول إن العرش فوق السماوات السبع؟!
ثم ما دليلك على التفريق بين العرش تارة وتارة، فإن وجدته "يهتز" لموت عبدٍ صالح جعلته مخلوقًا، وإن وجدته "على الماء" جعلته صفةً!؟!
الجواب السياق يوضح عن أي عرش يتحدث النص. كما يوضح السياق عن أي رحمة في الآية، أهي رحمة صفة الله، مثل ( وربك الغفور ذو الرحمة) أم رحمة مخلوقة.
والله استوى على العرش اللائق بذاته، وهو عرش الصفات المذكورة في سورة قل هو الله أحد، وهو رب عرش العزة والتجليات، وهو كذلك رب كل المخلوقات ومنها نفس العرش الذي يظلل الجنة.. وكما أن الله على صراط مستقيم، والله هو الهادي للصراط المستقيم، وهو صفات الحق والفعل الجميل الصالح الطيب، ولكن هناك صراط ظلي يضرب بين ظهراني جهنم، والمرور عليه هو مرآة لصراط الناس السلوكي. وقد يكتب كاتب كتابا يسميه الصراط المستقيم. وكما هناك بيت معمور في السماء كذلك هناك بيت معمور ظلي وضع للناس ببكة، ليكون الناس حوله مقلدين للملائكة الطائفين بالبيت المعمور.
والله فوق كل خلق من حيث المبدأ.
اعتراضكم بعنوان : الكرسي وطلبكم أدلة!
الجواب من الكتاب فقد سقت سياق آية الكرسي، واستشهدت من السنة وفهم الصحابيّ برواية كرسيه علمه ورواية أبي ذر، واستحالة صحة وجود قدمين لله، تساقان في إطار ساق وحقو وجارحة يد وقبضة وجارحة عين، وبينت لكم المحاذير وضرر الإسلام من هذه التصورات، ووفقت لك النصوص مع حديثه صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر! ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة!)، والسماوات السبع المخلوقة هما يراد منها علمها، وحذف المعلوم جائزكما لو قلت: زيد، بعد: من عندكما، والنسبة هي نسبة علمهما مع الكرسي الذي هو علم الله؟! والله واسع وتفهم السعة حسب السياق، فهو يسع كل شيء علما أو رحمة أو حكمة أو هو الواسع غنى.
لو كان الكرسي جرما فلكيا لقال الله : وسع كرسيه السماوات والأرض ولايؤوده حفظهم، باعتبار الكرسي محتاجا للحفظ، إلا أن الله تعالى ذكرهما للحفظ، وهوان علم السماوات والأرض بالنسبة لعلم الرحمان هو سبب معقول ليسر حفظهما، فعسر السيطرة يأتي أولا من غياب المعلومات، وشرحكم البديل لآية الكرسي العظيمة شرح بالغ الضعف لايحيي نفسا.
موضوع نجاة عيسى وموته العادي بعد ذلك
قلنا في الأصل الثاني : أن القرآن مبين، والسنة كذلك، كلاهما يهدي للتي هي أقوم، ولذا فالواجب إجراء النصوص الواردة على ظاهرها، إذ جاءت بأوضح وأبلغ وأبين لفظ، وكمالُ علم المتكلم وفصاحته ونصحه يمنع أن يريدَ بكلامه خلافَ حقيقته، وتيسير القرآن للذكر ينافي حمله على غير ظاهره، وظاهر الكلام هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع، وقد يكون بسياق الكلام.
فلنطبق هذا الكلام على سورتين هما: الأنبياء والمؤمنون. لعلنا نفهم منهما مصير عيسى عليه السلام مرتبطا مع مصير أمه عليها السلام، من واقع ظاهر الكلام الحقيقي الذي يسبق منه أويتبادر إلى العقل السليم السليم، بالوضع أو بالسياق.
المؤمنون:
نوح عليه السلام دعا إلى الله وكذبوه وهددوه وأنجاه الله وهلك الكافرون، ولم ينجه الله بحركة فرار، بل مكنه الله في الأرض ليعبد الله. فالله أنزل السورة ليقول للمؤمنين أن لكم النصر والعز، ومن بعده الرسل تترى على نفس المنوال، ثم قص الله قصة موسى وهارون على نفس النسق، فكذبوهما فكانوا من المهلكين، وبعدها آتى الله موسى الكتاب لعلهم يهتدون، حينئذ يكون السياق الرائع والدور نفسه قد جاء إلى عيسى عليه السلام وأمه. لماذا وأمه؟؟ لأنها شريكة في القضية منغمسة في تفاصيلها وقد عانت كل محنها، ولايناسب روعة السياق أن يترك بيان مآل أمرها، فامرأة مثل هذه في دعوة كهذه لابد من التركيز وتوضيح مصيرها بكل عز وقوة، والمحذوف البليغ هو: ودعا عيسى إلى الله وكذبوه واتهموا أمه، ثم بدأ المكر كما حدث مع موسى، وبالعقل السليم: فمن يبدأ المكر بعيسى فسوف يثني بمريم، إذن لابد لهما من مصير متحد للنجاة وأن يمكر الله لهما معا، ونجى الله الاثنين، حسب السياق المحتوم للسورة، وأما من أرادوا بهما شرا فلاشك أنهم كانوا من المهلكين بنوع من أشد ألوان الهلاك. وفي هذا السياق فلا معنى لقوله تعالى : وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين، يرجح معنى أن الله تعالى قد صنع معهما أعجوبة ونجى رسوله وأمه معا بطريقته العجيبة، وذهبا يعبدان الله ويدعوان إلى الله، تحت ظل قول الله : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا.. فقوله: إلى ربوة ذات قرار ومعين، ولاإيواء في لغة القرآن إلا بعد شدة وبلاء، يؤكد أن كشمير كانت إذن فعلا مهجره، كما هو دأب السياق في السورة. والمكان لابد أن يكون أرضا لبني إسرائيل أيضا، لأنه رسولهم جميعا ولافكاك له من دعوتهم.
وفي هذه السورة بدأ الله بذكر عيسى عليه السلام ( وجعلنا ابن مريم وأمه آية) ونلاحظ الجمال في النهاية بعد قول الله : يأيها الرسل كلوا .. أنه قال : وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون، فتقطعوا أمرهم بينهم.
نفس السياق في الأنبياء.
الأنبياء
ما أجمل كلام الله وهو يتقدم من توكيد بشرى العز والنصر لرسوله صلى الله عليه وسلم، ويشفع بيان الأمر بالتقدم رويدا من أول قصة إبراهيم، حيث يوضح الله تعالى أنه رب مواجهة ويعرف كيف يسل حبيبه من يد العدو سل الشعرة من العجين، ويدعهم محسورين خاسرين، حيث نجا (من النار) بعد القبض عليه، صلى الله عليه وسلم ثم هاجر وبورك له ودعا؟ ولوط عليه السلام أيضا كان له النجاة والهجرة ليذهب ليعبد في أرض الله، ونوح
صلى الله عليه وسلم كذلك دعا الله ونجاه ونصره (من القوم) وكانوا في سنة الإنقاذ من المحنة أمة واحدة . وفي محنة الحكم وتمرد الناس وصعوبة السيطرة أنقذ الله داود وسليمان عليهما السلام بالعلم والحكمة والفهم الخاص، وفي محنة المرض نجا أيوب بالدعاء، ووهبه الله نعمة يستأنف فيها الحياة والدعوة، ثم كان الله مع إسماعيل واليسع وذىالكفل. وفي محنة السقوط في فك الحوت نجى الله يونس لما سبح التهليل ودعا، ونجا (من الغم) إلى حيث يدعو ويعبد الله، وزكريا في محنة العقم وانقطاع الوارث لعلمه، ووهبه الله نجاة من المحنة، على الجميع السلام، وهنا جاء الدور على مريم وعيسى عليه السلام، فهل الظاهر والسياق سوى أنهما وقعا في المحنة، واستغرقا في الدعاء رغبا ورهبا، هو وأمه معه، وبدأ الله تعالى هنا بذكرها أولا ( والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين) ففيم كانت الآية في هذا السياق غير النجاة من محنة التآمر ونيات القتل المبيتة لهما الواحد بعد الآخر، والنجاة كانت إلى حيث السعة والعبادة . وانظر كيف ختم الله القصتين بنفس التاج الرائع : ففي الأنبياء بعد ذلك قال الله الجميل الكامل: إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، وتقطعوا أمرهم بينهم. رنين تتجاوب به السورتان لتبينا أنهما يتحدثان عن آية نجاة مريم وابنها معا إلى حيث يعبدان، وتلاحظ أن كثيرا علماء المسلمين لايكاد يعنيهم مصير مريم في شيء، ولايتتبعون مصيرها، مع أن كل تدبر سيستبعد أن يتركها اليهود آمنة، فلم لم يبحثوا الأمر وكيف نجت؟؟؟ ولوحتى في نطاق تصورهم بعد صعود ابنها في هدوء، ولابد لها من قصة كبيرة، والقرآن في السورتين بحمد الله يغطي هذه الفجوة التاريخية.
إن من الصعب على العقل المسلم الآن أن يتجاهل سورة الإسراء وسبي بني إسرائيل بأسباطهم الاثني عشر، وتقطيعهم أمما، أو أن يتجاهل الكرة لما عادوا قبيلتين فقط، وفيهما بعث المسيح أولا عليه السلام، أو أن يتجاهل أن عشر قبائل ظلت تعيش بعيدا ولها حق قرآني في أن عيسى كان رسولا إلى بني إسرائيل، أي جميعا، ترجيحا لمبدأ جدية التعبير القرآني. فكيف نغض الطرف عن كل هذا ولانربطه بسورتي المؤمنون والأنبياء، ونسخر ممن يذكرنا الله والتاريخ ونلوح له بالاستتابة؟؟؟!!! أستغفر الله وأتوب إليه.
وهكذا نحسم مسألة نفي رفع جسد المسيح عيسى عليه السلام بردي على ما ذكرتَه مقابل ما ذكرته لك عن رفع المسيح عليه السلام:
تحت عنوانكم : فأقول كما قال العبد الصالح
سألت عدة أسئلة ممهدا : حين استدللتَ بحديث البخاري "فأقول كما قال العبد الصالح" على تماثل الوفاتين، ذكرتُ أنّ "كما" لا تدل على التماثل من كل وجه، وإنما يكون التشابه في بعض المعاني لا في كل المعاني، وأوردت عليك بعض الإلزامات، فلم ترد عليّ شيئًا من تلك الإلزامات، وقلتَ ( وترى أن التشابه يكون في شيء دون شيء، وفتحت بابا لمناد يقول: يوجد شبه ولكن من يحدد وجه الشبه بالملليمتر والميكرومتر؟؟؟)
فقلت َ أولا: أريد منك سلفًا من أهل العلم يقول إنّ التشبيه في كل المعاني لا في بعض المعاني.
والجواب : التشبيه يكون في بعض ملامح الحالتين فعلا، وإلا لما عقدت المشابهة، وإدراك وجه الشبه من الهدايات الربانية، هداك الله وهداني لوجه الشبه، ولكن اعذرني فقد تبادر إلى ذهني أيضا تشابه الوفاتين من تشابه الموقفين، ومن حرصي على التوحيد وتصوري أن الله لابد أن يعطي المسلمين برهانا مساعدا على موت سيدنا عيسى، وأؤكد، موت سيدناعيسى عليه السلام بالذات، حماية لهم من عقابيل موجات التنصير.
س ثانيًا: أنت نفسك ترى أن التشابه لا يكون في كل وجه، فأنت تقول بتشابه ولادة عيسى ويحيى عليهما السلام، وتقول (كما ولدا ولادة إعجازية، والفرق بين وجود الوالد وعدمه لا ينفي تشابه الولادة) ، فإن كان وجود الفرق بين وجود الوالد من عدمه لا ينفي وجود التشابه، فلماذا ترفض أن عدم تشابه الوفاتين لا ينفي وجود تشابه حال النبي صلى الله عليه وسلم والمسيح عليهما السلام مع من ارتد من قومهما بعد أن غابا عنهما؟؟
الجواب هل تتصورني أبحث عن أي تشابه غير مافي الآية؟؟ الموقفان هما: كنت شهيدا على الناس مادمت فيهم، ثم حدثت وفاتي، ثم انحرفوا، ثم كنت أنت الشهيد عليهم وعلى كل شيء. وأنت تريد أن تفسر الوفاة في الآية والحديث بمعنى الغياب المشترك، وتجعل الآية : لما غبت، والحديث: لما توفيت.. ودون ذلك مفاوز تنقطع فيها أعناق الإبل، إن القول بتشابه الوفاتين هنا هو أقوى أوجه الشبه، لأن جواب الرسولين الكريمين وضح بجلاء ساطع أن الانحراف حدث ولم يكونا أحياء، فالغياب كان في الآية والحديث بالوفاة، والوفاة هي قبض الروح أو الموت، ولاأخفي تألمي من تبعات القول بحياة عيسى عليه السلام، ونزوله التابع لهذا، يذبح الناس ولايقبل الجزية، واقتناعي بما سيجره ذلك على الإسلام من كوارث مستقبلية، فتصورت أن التشابه موجود بين عموم موت يحيى وعموم موت عيسى خاصة حين عرفت أنهما معا في السماء لهما نفس الحياة.
س ثالثًا: تقول (الله يجمع كل الرسل ولم يستثن، ويسألهم ولم يستثن، والإجابة واحدة : لا علم لنا ..) فهل تقول بتماثل الوفاة بين جميع الرسل!
الجواب لم أطرق الآية من باب تماثل الوفاة بل من جهة اتفاقهم على: لاعلم لنا.. وأرى أن الله يسألهم عن ماتم بشأن دعوتهم بعدهم، (ماذا أجبتم) وأقول بتماثل جوابهم عن علمهم بجواب قومهم بعدهم، وأنهم كصادقين يوم ينفع الصادقين صدقهم، لامذهولين ولايحزنهم الفزع الأكبر، قالوا أنهم لم يعلموا ماذا كان سير الأمور بالنسبة لدعوتهم.
س رابعًا:











