المرافعة ضد السلفية 9
بسم الله الرحمن الرحيم
معضلة الأمير مع الإمام محمد بن عبد الوهاب.
لو أن أهل القرى
تتجه السعودية اليوم ببطء من مرحلة تأمين المواطن مع تحريم إعلان الفكر عليه، نحو تأمين المواطن مع السماح بالحرية، أي تطور حميد نحو منح الأمن للمفكر أن ينطق ثم يظل حيا.
وندعو الله أن تكتمل منظومة الأمن والحرية معا في بلد الكعبة المشرفة، ويكون كل من ينطق الشهادتين عزيزا في بلاد الحرمين، يشرح رؤيته لمراد الله في كتابه ورسوله دون رعب، ولايسمح لأحد أن يستحل دمه ولاماله ولاعرضه. وأن تضرب السعودية مثلا للعالمين في تقديم المعاني الراقية لكون الكعبة مثابة للناس وأمنا.
تحرك الشاعر غازي القصيبي، رحمه الله، ويتحرك جماعة من المفكرين مثل حسن المالكي كي يحرروا الدولة من المشايخ، أعني مشايخ التكفير، وأن تكون الشرعية للدولة الحقة ومهمتها الحضارية الحقة لا للثورجية السلفية الذين يناصرون نهج الاستبداد وإذلال الإنسان لهم. ونسأل الله أن تتطور جهودهم قدما وأن يهديهم لأقرب من هذا رشدا ليحطموا كل الأغلال التي تكبل البلاد المقدسة من إرهاب الإذلال السلفي المخيم.
هذه الحال المبشرة لم تكن هي نفسها الحال في بدايات الدولة السعودية.
كانت المشكلة الكبرى للإمام أن مفكرا وداعيا لفكرته لايجد المأوى والأمان ليواصل دعوته، فتم تأمينه مشكورين لكن حدث خطأ في منظومة تأمينه ولدت من المصائب مالايحصى.
والحق في التعلم والتفكر والتعبير حق إنساني، وباستعماله يوجد لدينا مصلحون، والحماية لهؤلاء المفكرين والدعاة والمعبرين عن رأيهم حق لهم ومن يحميهم فهو من نبلاء الناس. ولو وجد رجل مثل محمد عبده المصري المعروف، وكان يتعلم في العيينة والإحساء ويرحل إلى البصرة ويستنكر البدع والخرافات، ويؤذيه الناس في حريملة لوجب أيضا على قوات أمير الدرعية ورجالها أن تكفل له المأوى وأن تعطيه الحماية وتقاتل عنه من يريد قتله، حتى لو قاتلت الأعراب أجمعين دفاعا عن هذا الرجل الواحد، تماما كما كان هذا الحق نفسه مكفولا للشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي كان شجاعا عالما نشيطا صاحب فكرة، له الحق في التعبير عنها والدعوة إليها، وكانت نظرته للبدع صحيحة إذ أن الاستغاثة بغير الله خطأ وشرك، ينجم عن جهل وتقليد أعمى واتباع لأسلاف ضلوا عن السبيل. ولكن نظرة الإمام محمد عبده ستكون مختلفة مع نظرة ابن عبد الوهاب، في أن قيامنا بهدم الضريح رغم أنف الناس خطأ، وأن الحق أن نقوم بإقناعهم هم بالحق، وسوف تتغير الأحوال ليهجروا هذا الضريح ويبنوا مسجدهم بعيدا ويتحول الضريح حسب قرار الدولة ربما لمكان أثري سياحي يحكي تاريخا لايتعداه.
عندما التقى الإمام محمد بن عبد الوهاب وهو مطرود يطلب مأوى وحماية، مع الأمير محمد بن سعود ومنحه الحماية والمأوى كانت الأراضي المقدسة تستحق اتفاقية أفضل مما أبرم. ولازالت الفرصة سانحة لإصلاح مافسد.
كان من واجب الأمير الشجاع وأبنائه الشجعان أن يقولوا للضيف : لك الحماية فاكتب واجتهد ولكل مفكر حر مثلك في الفكر والحرية نفس الحماية. فليأتوا أيضا، ولاتضق بهم ياشيخ محمد، وتناقشوا وعلموا الشعب الكتابة والقراءة والعلوم، وليشهد العالم دولة الأرض المقدسة وليتعلم منها، وليشهدوا نقاش العلماء معك لتصلوا إلى أفضل الطرق للتصرف في شأن الزانية والضريح والشجرة، وتأنوا في فرض فكركم على الناس، فالشعوب تتقدم وتتعلم بالتدريج، وهذا إعلان مني أنا الأمير لكل عالم أن يأتي هنا ويتم تكريمه ومعونته.. هذا هو ما تعب عليه أبو بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم.
كان من حق أبناء هذه الأرض التي روتها دماء الصحابة قتلا لمسيلمة أن تنال خطة أحسن وأن ينال سكانها مستقبلا وتكريما أفضل. وأن تقوم فيها دولة كمصر مثلا : التي كان يأتيها الداعي من الدعاة بكتب ابن عبد الوهاب، وهو يتكلم عن زاوية بدع الشرك في توحيد الدعاء، ولايتكلم عن سفك دماء الناس، ويجتهد في إخفاء هذا الجانب من فكره، فتضمن له الدولة الأمن، كما كانت تضمنها أيضا لأصحاب فكر آخر له وجهة نظر مغايرة عن الإسلام، عندما لم تدخل مسألة سفك الدماء في معادلة الدعوة.
كانت الحرب واقعة لامحالة
وقعت الحرب التي كانت أصلا موجودة وشغالة بين القبائل، ولكن دخلها عامل جديد، هو عامل التكفير والقتل على العقيدة وهدم الأضرحة بالعنف، ولو قام الأمير بحماية الشيخ ودعاته وتكفل بحمايتهم كدعاة لاقضاة في القبائل قبيلة تلو الأخرى فإن الحرب كانت واقعة أيضا لامحالة.
لكنها ستكون حربا لوجود دولة الأمن للناس مفكرين وغير مفكرين، وستكون حربا مشروعة يؤيدها الله ورسوله والمؤمنون، وكان المصير مختلفا كل الاختلاف. وستكون المعاناة التي يعانيها ساكن الجزيرة هي قبول فكرة دولة الأمن والحرية، وهي معاناة أهون مما تم فرضه عليه من قبول دولة أمن بلاحرية، وقد يعلن المعارض الحرب لذلك ولكن مع الوقت سينصر الله الحق.
وحسب معطيات الوضع النفسي العقلي السائد حينئذ فإن عقلية القبائل لم تكن قابلة لحماية داعية يدعو لنبذ البدع كما لم تكن القبائل أبدا لتقبل أيضا القسر الديني الذي كانت تتحرك به القوات المقاتلة مع الشيخ والأمير، ولكن شتان بين مقاتل يقول كفوا عن قطع الطرق ودعوا العلماء يتكلمون ويحاجون، ومن يطيعهم له الحرية في العبادة كما يريد، وبين استحلال حرمة من لايوافق على رأي العالم، أو تقرير الناس رغم أنوفهم وتخييرهم بين الموت وبين التوقيع ( أعني الموافقة) مرغمين على وجهات نظر الشيخ الفلاني عن الإسلام.
كانت الحرب واقعة لامحالة ولكن بشرعية مختلفة ومصير مختلف وتطور مختلف للبلد، ولابد أن نوقن بوجود الله الحي القادر على التأليف الذي لايستطيعه مال العالم.
لقد بدأت الأحداث بداية يشوبها الخطأ الرهيب للتكفير والاستحلال، وكانت آيات الله واضحة بالبديل العظيم، فإن الأئمة في الصلاة من قراء آية : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين… من سورة التوبة، كانوا يقرأون في الآية التالية: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه، وكان هذا لو طبق فهو أرقى شيء في الحضارة كلها.
ولو وجب حماية مشرك يستجيرك لأن ألوان شركه لاتعجب قومه، أو لأن شرك قومه يجرمهم على انتهاك حقوقه الإنسانية، فما بالك بواجب حماية شيخ كالإمام ابن عبد الوهاب وهو العالم سليل العلماء المحترمين، يدعو الناس لنبذ البدع التي تحتوي شركا في باطنها؟؟؟
كانت البداية الجبارة التي لم تحدث والتي يجب أن تحدث اليوم هي أن يقف الأمير بين ربوع العالم قائلا : إني أجرت العلماء ومدادهم فلايهجهم منكم أحد، وللناس أن يوافقوهم او يخالفوهم بدون أن يرتكب أحد عنفا أو إرهابا، ويتم التطور السلمي في البلد. وسأقاتل كل من ينتهك أمن المواطن وأمن أي مفكر يشرح الإسلام بحجته ..
وكانت هذه البداية كفيلة بجلب نصر الله بشكل خارق، وكانت الحجاز ستدين بسرعة لابن سعود، ( كما قال سبحانه وتعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) ولم يكن للمآسي التي حدثت أن تحدث، وكان حقا على الله أن يتم فشل محمد علي في حملته لتحطيم هذه الدولة، وكان الأمر والتمكن سيتقدم معززا مكرما دون ماحدث من مآس محزنة، حين يتم إرسال إمام كبير ليعدم في الآستانة، ويتم إرسال أمير محترم سليل أسرة عريقة ليحبس في القاهرة.
وكان مصير السعودية اليوم هو مصاف الدول المتقدمة الكبرى وصوتها في الأمم هو أهم الأصوات لما يؤيده الله به.
كان الإمام يتعرض للمطاردة بسبب آرائه في وجوب نبذ البدع، ثم صار يتعرض للمطاردة بسبب تطبيقاته لآرائه مثل هدم القباب ورجم الزناة واقتلاع الأشجار التي يقدسها الناس.
وقام الأمير بحمايته وذلك نبل وواجب، وقام جند قبيلة الأمير وجند تلاميذ الشيخ بالعمل لإقامة دولة تحت سلطانهم وتوحيد نجد والحجاز تحت إمرتهم، ولابأس من وجود دولة تعمل ليشيع الأمن في ربوع البلاد.
المعضلة أن هذه الدولة بدلا من أن يتم بناؤها لتحمي الفكر والعلم والتعبير ويتقدم الشعب من خلال شهوده واختياراته، ويكون الملك راعيا لهذا التألق فقد تم تصميمها خطأ لتحمي الشيخ ابن عبد الوهاب وحده، وقتل من يخالفه فكره، واعتبر إسلامه هو الإسلام الوحيد المسموح به، ومن يفهم غير هذا ويفسر بغير ذالك فليس له سوى الاستتابة أو الهلاك. وإذا جاء داع آخر لفكرة قد تكون أقرب للإسلام من فكره طارده رجال هذه الدولة.
انظر كيف يفعلون في مصر والأردن مثلا:
كما يستغل الإخوان المسلمون الديمقراطية واحترام الآخر ليدخلوا البرلمان ثم يحتكرون البلد لهم، ويتمتعون هم بحريتهم، ويشرعون من خلال البرلمان قوانين نفي الآخر تأثرا بالسلفية المنتشرين بينهم، فإن من العجيب استغلال السلفية لجو الحرية والسماح بالدعوة للفكر الإسلامي وتكوين الجمعيات كي ينقلبوا ليجعلوا البلد حكرا عليهم، ويكون لدعاتهم وحدهم التمكين من الدعوة الآمنة، ويحلوا دم صاحب فكر إسلامي مخالف.
نعم فمن العجب العجاب أن تسمح الدولة في الأردن ومصر لدعاة السلفية بالدعوة أسوة بغيرهم من المسلمين ثم لما كثروا واشتد عودهم يريدون أن يحولوا صورة البلد إلى صورة الدولة السعودية في أشد أيام احتكارها للفكر الإسلامي وقتل ماعداه.
في ظل الدولة الأردنية ترى من عجيب المفارقات أن يدخل دعاة السلفية الأردن فيقوموا بالدعوة بحرية تحت ظل الحكم الأردني، وملوكه من نسل أشراف مكة، بينما في ظل الدولة السلفية، لما دخل جيشهم الحجاز، تم إرغام الناس في مكة التي كان يحكمها الأشراف على أن يقروا بما لم يكونوا يعتقدون.
البداية
نشأ الإمام محمد بن عبد الوهاب طالب علم سليل علماء كبار، يتحلى بجد الطلب والشجاعة الفائقة، مالت نفسه بعيدا عن البدع السائدة والسحر والشعوذة وأنواع الاستغاثة بغير الله منذ شبابه وهو يتعلم في بلده العيينة حيث ولد، ورحل لمكة حاجا ومتعلما قبل العشرين، ورحل إلى المدينة ومكث فيها طويلا يتعلم على يد الشيخ عبد الله بن إبراهيم، وتعرف وتتلمذ على الشيخ محمد حياة السندي، ورحل إلى البصرة مارا بنجد، وفي البصرة أبدى الأهالي استياء منه ثم طردوه.
وفي طريقه إلى الزبير كاد يموت عطشا لولا عناية الله.
و
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ